من التحالف إلى صراع النفوذ: كيف تحولت الشراكة السعودية–الإماراتية إلى منافسة على قيادة الخليج والبحر الأحمر؟

تادي عوادمنذ دقيقتانآخر تحديث :
من التحالف إلى صراع النفوذ: كيف تحولت الشراكة السعودية–الإماراتية إلى منافسة على قيادة الخليج والبحر الأحمر؟

تشهد العلاقات السعودية–الإماراتية تحولاً استراتيجياً يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية، بعدما انتقلت من مرحلة التنسيق الوثيق إلى منافسة متزايدة على الاستثمارات والتكنولوجيا والموانئ والنفوذ الإقليمي، خصوصاً في اليمن والسودان والقرن الأفريقي.

ويعود هذا التحول أساساً إلى صعود المشروع الاقتصادي السعودي، الذي يسعى إلى تحويل المملكة من أكبر سوق في الخليج إلى مركز إقليمي للأعمال والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، في قطاعات نجحت الإمارات في بناء مكانة دولية مؤثرة فيها.

وقد اكتسبت المنافسة بعداً سياسياً وأمنياً أكثر وضوحاً مع تصاعد الخلافات في اليمن أواخر عام 2025، وامتداد التباينات إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وفق تقارير نشرتها وكالة رويترز خلال عام 2026 [1].

حرب الاستثمارات: هل يهدد صعود الرياض مكانة دبي؟

اعتمدت دبي خلال العقود الماضية على استقطاب الشركات العالمية والمقار الإقليمية والخدمات المالية والتجارية، مستفيدة من موقعها بوصفها بوابة رئيسية للأسواق الخليجية، وفي مقدمتها السعودية.

لكن رؤية السعودية 2030 بدأت تغير هذه المعادلة، عبر استثمارات ضخمة في القطاعات غير النفطية، وسياسات تستهدف توطين الأنشطة الاقتصادية وجذب الشركات الدولية.

وكان قرار اشتراط وجود مقار إقليمية للشركات الأجنبية للحصول على فئات واسعة من العقود الحكومية السعودية، الذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2024، خطوة بارزة في هذا الاتجاه [2].

ويمثل هذا التحول منافسة مباشرة لدبي في استضافة الشركات والخدمات المرتبطة بها، لكنه لا يعني بالضرورة تراجع دورها الاقتصادي، نظراً إلى ما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة وشبكات تجارية ومالية دولية.

كما أن الترابط الاقتصادي لا يزال قوياً؛ إذ بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 30 مليار دولار بنهاية عام 2023، وفق بيانات نقلتها رويترز [3].

وعليه، فإن المنافسة تتمحور حول استقطاب الاستثمارات الجديدة وإعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية داخل الخليج، أكثر من كونها مواجهة اقتصادية شاملة.

الذكاء الاصطناعي والرقائق: سباق على الاقتصاد الجديد

أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز مجالات المنافسة بين الرياض وأبوظبي، مع توجه البلدين إلى تطوير مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة واستقطاب الشركات التكنولوجية العالمية.

وقد سبقت الإمارات في هذا القطاع عبر شركة G42 وشراكاتها الدولية، بينما دخلت السعودية بقوة من خلال شركة HUMAIN المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة.

وفي نوفمبر 2025، وافقت الولايات المتحدة على تصدير معالجات متقدمة إلى الشركتين، بما يعادل ما يصل إلى 35 ألف رقاقة Nvidia Blackwell لكل منهما، ضمن شروط أمنية وتنظيمية [4].

وتعكس هذه الخطوة تشابه الطموحات التكنولوجية للبلدين، لكنها لا تعني امتلاك صناعة محلية متكاملة للرقائق الإلكترونية، إذ تتركز الاستثمارات بصورة أساسية على البنية التحتية الرقمية والحوسبة المتقدمة.

وسيحدد نجاح هذه المشاريع مدى قدرتها على تحقيق عوائد اقتصادية واستقطاب الكفاءات وتطوير خدمات تكنولوجية قادرة على المنافسة دولياً.

حرب الموانئ: النفوذ على ضفتي البحر الأحمر

تمثل الموانئ أحد أهم عناصر التنافس الاستراتيجي، نظراً إلى ارتباطها بالتجارة الدولية وأمن الطاقة والممرات البحرية.

وقد بنت الإمارات شبكة واسعة من الاستثمارات اللوجستية، أبرزها مشاريع موانئ دبي العالمية في القرن الأفريقي، ومنها ميناء بربرة في أرض الصومال، الذي التزمت الشركة باستثمار يصل إلى 442 مليون دولار لتطويره وربطه بالأسواق الإثيوبية [5].

في المقابل، تعمل السعودية على تطوير موانئها المطلة على البحر الأحمر وتعزيز دورها في حركة الشحن الدولية، ضمن خطط تحويل المملكة إلى مركز لوجستي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ولا يقتصر التنافس على الإيرادات التجارية، بل يمتد إلى بناء العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الدول الساحلية، خصوصاً بالقرب من مضيق باب المندب.

ومع ذلك، يستمر التعاون بين الطرفين؛ ففي مارس 2025، أعلنت السعودية توسعة محطة الحاويات الجنوبية في ميناء جدة الإسلامي بالشراكة مع موانئ دبي العالمية [6].

وتوضح هذه العلاقة أن التنافس على النفوذ البحري لا يلغي المصالح التجارية المشتركة، كما أن الاستثمارات في الموانئ لا تعني بالضرورة امتلاك السيطرة العسكرية على الممرات البحرية.

اليمن: الخلاف الذي كشف تباين المصالح

يمثل اليمن أبرز ساحات التباين السعودي–الإماراتي، بعدما دخل البلدان الحرب عام 2015 ضمن تحالف واحد ضد الحوثيين، قبل أن تتطور أولوياتهما السياسية والأمنية بصورة مختلفة.

فقد ركزت السعودية على أمن حدودها الجنوبية ودعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بينما طورت الإمارات علاقات وثيقة مع قوى جنوبية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي الداعي إلى استقلال الجنوب.

وفي ديسمبر 2025، تصاعد الخلاف بصورة علنية بعد ضربة نفذها التحالف بقيادة السعودية على ميناء المكلا، قال إنها استهدفت شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات. ونفت أبوظبي أن تكون الشحنة أسلحة، وأعلنت سحب قواتها المتبقية من اليمن [7].

وكشفت الأزمة اختلافاً جوهرياً في التصورات المتعلقة بمستقبل اليمن وترتيباته الأمنية، خصوصاً في المحافظات الجنوبية والشرقية القريبة من الحدود السعودية والممرات البحرية.

السودان والقرن الأفريقي: امتداد المنافسة الإقليمية

أصبح القرن الأفريقي مجالاً مهماً للتنافس على الموانئ والاستثمارات والعلاقات السياسية، بسبب موقعه المقابل للسواحل العربية للبحر الأحمر.

وقد وسعت الإمارات حضورها الاقتصادي في المنطقة، بينما عززت السعودية علاقاتها الدبلوماسية والأمنية مع عدد من الدول الأفريقية.

وفي فبراير 2026، وثقت رويترز اتساع المنافسة السعودية–الإماراتية في القرن الأفريقي، وانعكاساتها على حسابات دول المنطقة [1].

أما السودان، فقد برز اختلاف في علاقات البلدين بالأطراف المتحاربة منذ اندلاع الحرب عام 2023.

فقد استضافت السعودية محادثات جدة بالتعاون مع الولايات المتحدة، بينما واجهت الإمارات اتهامات سودانية بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي.

وفي مايو 2025، قررت محكمة العدل الدولية عدم اختصاصها بالنظر في القضية التي أقامها السودان ضد الإمارات، من دون الفصل في موضوع الاتهامات [8].

وتنبع أهمية السودان من موقعه على البحر الأحمر وموارده الاقتصادية، ما يجعل استقراره عاملاً مؤثراً في أمن المنطقة ومصالح الدول الخليجية.

الخلاصة: شراكة تتراجع أمام المنافسة

تكشف التطورات أن العلاقات السعودية–الإماراتية انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع اختلاف المصالح السياسية والأمنية.

فالسعودية تسعى إلى تحويل ثقلها الاقتصادي إلى نفوذ أوسع في قطاعات الاستثمار والتكنولوجيا والتجارة، بينما تعمل الإمارات على المحافظة على مكانتها وشبكات مصالحها الدولية.

وقد أظهر اليمن عمق التباينات الأمنية، فيما كشف البحر الأحمر والقرن الأفريقي اتساع المجال الجغرافي الذي تتقاطع فيه مصالح البلدين.

ومع ذلك، فإن استمرار التجارة والاستثمارات المشتركة يجعل العلاقة أبعد من أن تختزل في مواجهة شاملة.

والنتيجة أن الخليج يشهد إعادة توزيع تدريجية لمراكز القوة والنفوذ، حيث لم تعد الشراكة السعودية–الإماراتية تمنع المنافسة، ولم تصبح المنافسة حتى الآن بديلاً كاملاً عن التعاون.

—

المصادر والمراجع

[1] رويترز، 14 فبراير 2026. التنافس السعودي–الإماراتي في القرن الأفريقي.

https://www.marketscreener.com/news/african-union-summit-clouded-by-saudi-uae-rivalry-in-horn-of-africa-ce7e5ddbdd8bf620

[2] رويترز، يناير 2024. تطبيق شرط المقرات الإقليمية للشركات الأجنبية في السعودية.

https://www.marketscreener.com/news/latest/Saudi-Arabia-s-regional-headquarters-requirement-goes-into-effect-with-exceptions-45654739/

[3] رويترز، يناير 2026. العلاقات التجارية السعودية–الإماراتية رغم التوترات في اليمن.

https://www.investing.com/news/economic-indicators/explainerwhy-saudiuae-trade-ties-remain-resilient-despite-yemen-tensions-4435511

[4] رويترز، 19 نوفمبر 2025. الموافقات الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة إلى السعودية والإمارات.

https://www.reuters.com/business/us-authorizes-export-advanced-american-semiconductors-companies-saudi-uae-2025-11-19/

[5] موانئ دبي العالمية، يونيو 2021. تطوير ميناء بربرة والتوسع في المنطقة الاقتصادية.

https://www.dpworld.com/en/news/dp-world-and-somaliland-open-new-terminal-at-berbera-port-announce-second-phase-expansion-and-break-ground-for-economic-zone

[6] وكالة الأنباء السعودية، مارس 2025. توسعة محطة الحاويات الجنوبية في ميناء جدة الإسلامي.

https://www.spa.gov.sa/N2277492

[7] رويترز، 30 ديسمبر 2025. الأزمة السعودية–الإماراتية في اليمن وأحداث ميناء المكلا.

https://www.reuters.com/world/middle-east/saudi-led-coalition-yemen-calls-civilians-mukalla-port-evacuate-saudi-state-news-2025-12-30/

[8] محكمة العدل الدولية، 5 مايو 2025. قضية السودان ضد الإمارات العربية المتحدة.

https://www.icj-cij.org/case/197

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة