عقود باسيل الكهربائية: حكم بقيمة 100 مليون دولار يدفع ثمنه الشعب اللبناني!

تادي عوادمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
عقود باسيل الكهربائية: حكم بقيمة 100 مليون دولار يدفع ثمنه الشعب اللبناني!

تعود إلى الواجهة قضية معملي الكهرباء في الزوق والجيّة، بعدما كشف تقرير نشره موقع «MenaNews» في 5 تشرين الأول 2026 عن صدور حكم تحكيمي في باريس يُلزم الدولة اللبنانية بدفع نحو 100 مليون دولار، نتيجة نزاع مع الشركات التي نفّذت المشروعين.

 

لكن القضية لا تبدأ من الحكم التحكيمي، بل من عام 2013، عندما وقّع وزير الطاقة آنذاك جبران باسيل عقدَي إنشاء المعملين، ومن تعديلات تعاقدية أثارت لاحقًا اعتراضات رسمية، وأدت إلى خلاف بين وزارتي الطاقة والمالية، وتعليق دفعات مالية وتوقف الأعمال.

 

فما الذي حصل؟ وأين تكمن المخالفات؟ وكيف تحوّل مشروع لإنتاج الكهرباء إلى نزاع بمئات ملايين الدولارات؟

 

البداية: صفقة بقيمة 270 مليون يورو

 

في 26 شباط 2013، وقّع جبران باسيل، بصفته وزيرًا للطاقة والمياه، عقدين لإنشاء وحدات إنتاج كهرباء جديدة في الزوق والجيّة، مع تحالف يضم شركة BWSC الدنماركية وشركة MAN Diesel & Turbo الألمانية.

 

بلغت القيمة المعلنة للمشروع نحو 270 مليون يورو، أي ما يقارب 345 مليون دولار وفق أسعار الصرف آنذاك، لإنتاج نحو 272 ميغاواط بواسطة 14 محرّكًا.

 

وقد خضع العقدان للإجراءات الرسمية، بما فيها مراجعة ديوان المحاسبة ومجلس الوزراء.

 

حتى هذه المرحلة، نحن أمام صفقة حكومية لإنشاء معملين للكهرباء.

 

لكن المشكلة بدأت عندما طُرحت تعديلات على شروط العقدين بعد مرحلة المراجعة الرسمية.

 

المخالفة الأولى: تغيير شروط العقد بعد الموافقة عليه

 

بحسب تحقيق استقصائي نشره موقع «درج» في 11 أيار 2022، حصل تعديل في ترتيب أولوية المستندات التعاقدية، بحيث أُعطيت الأفضلية لعرض الشركة المتعهدة على دفتر الشروط الذي وضعته الدولة.

 

ولفهم خطورة هذا التعديل، يكفي المثال التالي:

 

عندما تطرح الدولة مناقصة، فإنها تضع دفتر شروط يحدد المواصفات الفنية والالتزامات التي يجب على الشركات احترامها.

 

تتقدم الشركات بعروضها على أساس هذه الشروط، وتتنافس للحصول على الصفقة.

 

لكن ماذا يحصل إذا فازت شركة بالمناقصة، ثم جرى تعديل العقد بحيث يصبح عرضها هو المرجع عند التعارض مع دفتر شروط الدولة؟

 

ببساطة، قد تصبح بعض الشروط التي وضعتها الدولة أقل إلزامًا، وتُمنح الشركة أفضلية لم تكن متاحة بالضرورة لبقية المتنافسين.

 

وهنا تكمن خطورة القضية: هل بقي العقد النهائي مطابقًا للشروط التي جرت على أساسها المناقصة، أم تغيّرت قواعد المنافسة بعد اختيار الفائز؟

 

هذا هو السؤال الذي يجب أن يجيب عنه التحقيق القضائي.

 

المخالفة الثانية: تعديلات لم تُعرض على ديوان المحاسبة

 

وفق تقرير «MenaNews» المنشور في تشرين الأول 2026، أُدخلت تعديلات بخط اليد على العقدين بعد عرضهما على الجهات الرقابية.

 

ويذكر التقرير أن رئيس ديوان المحاسبة، القاضي محمد بدران، أكد في كتاب أن هذه التعديلات لم تُعرض على الديوان.

 

إذا صحت هذه المعلومات، فنحن أمام مسألة تتجاوز مجرد تعديل إداري.

 

فديوان المحاسبة يمارس رقابة على العقود والإنفاق العام وفق القوانين النافذة، ولا يجوز افتراض أن موافقته على نص معين تعني تلقائيًا الموافقة على تعديلات جوهرية أُدخلت لاحقًا.

 

والسؤال هنا واضح:

 

من قرر تعديل العقد؟ ومن وافق على التعديل؟ ولماذا لم يُعرض مجددًا على ديوان المحاسبة؟

 

والأهم: هل كان الوزير الذي وقّع العقدين على علم بهذه التعديلات، وهل أجازها؟

 

هذه أسئلة تتعلق بالمسؤولية المباشرة عن حماية حقوق الدولة وأموالها.

 

المخالفة الثالثة: خلاف بين وزارتين عطّل المشروع

 

لم تبقَ القضية محصورة بالأوراق والعقود.

 

ففي عام 2014، توقفت وزارة المالية عن تسديد دفعات للشركة المنفذة.

 

وبحسب تحقيق «درج»، بررت وزارة المالية موقفها بوجود خلافات تتعلق بمطابقة التنفيذ لدفتر الشروط، وبالتعديلات التي لم تحصل على موافقة ديوان المحاسبة.

 

في المقابل، اعتبرت وزارة الطاقة أن تعليق المدفوعات غير مبرر وأنه يعرّض الدولة لمطالبات مالية.

 

وليس هذا الخلاف رواية ظهرت بعد سنوات.

 

فقد وثقت صحيفة «L’Orient-Le Jour» عام 2015 تبادل الاتهامات بين الوزارتين، ونقلت مطالبات مالية كبيرة قدمتها الشركة نتيجة توقف الأشغال وتأخير التنفيذ.

 

وهكذا وجدت الدولة اللبنانية نفسها في وضع بالغ الخطورة:

 

وزارة تشكك في سلامة الإجراءات التعاقدية وتوقف الدفع، ووزارة أخرى تتمسك بالعقد وتحمّل تعليق المدفوعات مسؤولية الأضرار.

 

أما الشركة المتعهدة، فاعتبرت أنها تضررت وطالبت بالتعويض.

 

والنتيجة أن خلافًا داخل الدولة تحوّل إلى نزاع مالي مع شركة أجنبية، بدل أن يُحسم داخل المؤسسات الرسمية قبل توقيع العقود وتنفيذها.

 

من التأخير إلى التحكيم الدولي

 

كان يفترض إنجاز المشروعين عام 2014، لكن الأعمال تعثرت واستؤنفت لاحقًا، ولم يكتمل المشروعان إلا بعد سنوات.

 

وبحسب تحقيق «درج»، لجأت شركة BWSC عام 2018 إلى التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية، مطالبة الدولة اللبنانية بتعويضات تجاوزت 130 مليون دولار، على خلفية النزاع بشأن المدفوعات والتأخير.

 

أما التقرير الجديد الذي نشره «MenaNews»، فيقول إن هيئة تحكيم أصدرت حكمًا بقيمة نحو 100 مليون دولار لمصلحة الشركتين، وإن الملف أصبح أمام محكمة استئناف باريس.

 

وهنا يجب توضيح نقطة أساسية: هذا التطور ورد في تقرير صحافي، لكن النص الأصلي للحكم التحكيمي وأسبابه التفصيلية لم يتوافرا بصورة علنية تتيح التحقق المستقل منهما.

 

كذلك، لا يمكن الجزم بأن كامل المبلغ نتج حصريًا عن تعديل أولوية مستندات العقد؛ إذ يجب مراجعة الحكم لمعرفة قيمة المستحقات والتعويضات والفوائد وأسباب احتسابها.

 

من يتحمل المسؤولية: باسيل أم وزارة المالية؟

 

وقّع جبران باسيل العقدين عندما كان وزيرًا للطاقة، وبالتالي فإن دوره في إقرار شروطهما والتعديلات اللاحقة يستوجب التدقيق والمساءلة السياسية والإدارية.

 

لكن المسؤولية لا تُحدَّد بمجرد توقيع العقد.

 

فالتحقيق الجدي يجب أن يحدد من فاوض على التعديلات، ومن أدخلها، ومن وافق عليها، وما إذا كانت قد عُرضت على الجهات المختصة، وما هو دور الاستشاري والشركات المتعاقدة.

 

كذلك، ينبغي تحديد ما إذا كان قرار وزارة المالية تعليق المدفوعات يستند إلى أسباب قانونية كافية، وهل كان بالإمكان معالجة الخلاف بطريقة تمنع تراكم التعويضات.

 

فإذا كان التعديل غير أصولي، فمن المسؤول عنه؟

 

وإذا كان تعليق الدفع خاطئًا، فمن المسؤول عن نتائجه؟

 

وإذا كانت جهات رسمية تعلم بالمشكلة منذ سنوات، فلماذا لم تُعالج قبل الوصول إلى التحكيم الدولي؟

 

لا يجوز أن تضيع المسؤوليات بين الوزارات، ثم تُحمَّل الخسائر في النهاية للخزينة العامة.

 

الأخطر: هل تغيّرت قواعد المناقصة بعد فوز الشركة؟

 

في تحقيق «درج»، اعتبر جان العلّية، الذي كان يرأس إدارة المناقصات، أن الالتزام بدفتر الشروط وثبات أحكامه من المبادئ الأساسية للمنافسة.

 

وهذه النقطة تتجاوز مشروع الزوق والجيّة.

 

فإذا سُمح بتغيير شروط جوهرية بعد اختيار الشركة الفائزة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الشركات الأخرى ستقدم عروضًا مختلفة لو عرفت مسبقًا بالشروط المعدلة.

 

وهنا لا يعود الحديث عن خلاف مالي فحسب، بل عن سلامة المناقصة والمساواة بين المتنافسين وحماية المال العام.

 

غير أن تحديد ما إذا كانت التعديلات تشكل مخالفة قانونية أو جرمًا جزائيًا يتطلب الاطلاع على النصوص الأصلية وقرارات الجهات المختصة، ولا يكفي الاستنتاج من التقارير الصحافية وحدها.

 

ماذا يجب أن يحصل الآن؟

 

إذا أرادت الدولة اللبنانية كشف الحقيقة وحماية أموال اللبنانيين، فعليها نشر العقدين بنسختيهما الأصلية والنهائية، والتعديلات التي أُدخلت عليهما، وقرارات ديوان المحاسبة ومجلس الوزراء، والمراسلات بين وزارتي الطاقة والمالية، إضافة إلى الحكم التحكيمي وأسباب صدوره.

 

كما يجب تحديد المسؤوليات بصورة فردية، بعيدًا عن تبادل الاتهامات السياسية.

 

فالمواطن اللبناني من حقه أن يعرف لماذا تعثّر مشروع كهربائي بهذه الكلفة، وكيف نشأ النزاع، وما إذا كانت هناك مخالفات تسببت بتعريض الدولة لتعويضات ضخمة.

 

الخلاصة: من غيّر العقد، ومن سيدفع الثمن؟

 

ليست قضية الزوق والجيّة مجرد خبر عن حكم تحكيمي بقيمة 100 مليون دولار.

 

إنها قضية تكشف كيف يمكن لخلاف على شروط عقد حكومي، ولغياب التنسيق والرقابة الفعالة، أن يتحول إلى نزاع دولي يهدد المال العام.

 

والوقائع المنشورة منذ عام 2015، ثم تحقيق «درج» عام 2022، وصولًا إلى تقرير «MenaNews» عام 2026، تفرض فتح الملف كاملًا، لا الاكتفاء بالاتهامات والردود السياسية.

 

السؤال الذي يجب ألا يضيع هو: من سمح بتعديل شروط عقد الدولة بعد المراجعة الرقابية، ومن يتحمل مسؤولية النتائج المالية والقانونية لهذه القرارات؟

 

فاللبنانيون ليسوا مسؤولين عن الأخطاء أو المخالفات التي قد يرتكبها المسؤولون باسم الدولة، ومن حقهم المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.

 

المال العام ليس ملكًا للوزراء، ولا يجوز أن تتحول أخطاء السلطة إلى ديون جديدة على المواطنين.

 

المصادر والمراجع:  MenaNews

5 تشرين الأول 2026

تقرير عن التعديلات بخط اليد والحكم التحكيمي المعلن بقيمة 100 مليون دولار.

Liban. Centrales électriques de Zouk et de Jiyeh : le contrat d’État retouché au stylo coûte 100 millions de dollars au pays

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة