حلفاء السعودية… أصدقاء في السلم، غائبون عند الحرب

تادي عوادمنذ 6 ساعاتآخر تحديث :
حلفاء السعودية… أصدقاء في السلم، غائبون عند الحرب

المشكلة ليست في أن السعودية اكتشفت أن معظم حلفائها لا يريدون الدفاع عنها؛ المشكلة أنها اكتشفت ذلك متأخرة.

لسنوات طويلة، بنت المملكة العربية السعودية جزءاً مهماً من أمنها الاستراتيجي على شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات: الولايات المتحدة والغرب، وتركيا، وباكستان، ودول عربية وإسلامية مختلفة. وكانت الفكرة بسيطة: السعودية تملك المال والطاقة والمكانة الدينية، بينما يملك الحلفاء الجيوش والتكنولوجيا والخبرة السياسية والعسكرية.

لكن عند الاختبار الحقيقي، اكتشفت الرياض أن الحليف الذي يبيع لك السلاح ليس بالضرورة مستعداً للدفاع عنك، وأن الحليف الذي يبتسم لك في القمم ليس بالضرورة مستعداً لخوض حرب من أجلك.

 

لا الجيش التركي تحرك… ولا الجيش الباكستاني

 

إذا تعرضت المملكة لخطر وجودي، فهل ستدخل أنقرة وإسلام آباد الحرب فعلاً من أجلها؟

الجواب هو: لا. وهذه وحدها مشكلة استراتيجية كبرى.

باكستان، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع إيران وحساسياتها الداخلية، لا تستطيع ببساطة أن تتعامل مع أي مواجهة سعودية ـ إيرانية وكأنها حربها الخاصة.

أما تركيا، فهي دولة تتحرك وفق حساباتها ومصالحها، وليس وفق رغبات حلفائها. وهي تدير علاقات مع السعودية وإيران وروسيا والولايات المتحدة في آن واحد.

 

الدرس الذي يجب أن تفهمه الرياض

 

السعودية تحتاج إلى الغرب، والغرب يحتاج إلى السعودية. هذه حقيقة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشراكة إلى اعتقاد بأن المصالح الاقتصادية تعني تلقائياً التزاماً عسكرياً غير مشروط.

الدول الغربية ستدافع عن مصالحها، لكنها لن تخوض بالضرورة حرباً مفتوحة لمجرد أن السعودية تعرضت لهجوم.

والأكثر خطورة هو أن اعتماد دولة بحجم السعودية على المظلة الأمنية الخارجية يمكن أن يتحول، مع الوقت، إلى إدمان استراتيجي.

 

إيران ليست مجرد خصم سياسي

 

أما إيران، فالقصة مختلفة تماماً.

الخلاف السعودي ـ الإيراني ليس خلافاً عابراً بين دولتين متنافستين على النفوذ. إنه صراع مركب، تتداخل فيه الجغرافيا والتاريخ والمذهب والنفوذ الإقليمي وموازين القوى. وهذا يجعل إيران خصماً استراتيجياً طويل الأمد، وليس مشكلة يمكن حلها بمجرد اتفاق دبلوماسي أو مصافحة بين المسؤولين.

 

الخطأ الأكبر: السعودية لم تفهم حجمها الحقيقي

 

السعودية ليست دولة صغيرة تحتاج إلى أن يبحث لها الآخرون عن مظلة حماية.

السعودية دولة مركزية في الشرق الأوسط.

تملك واحداً من أكبر الاقتصادات العربية، وموارد هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وثقلاً دينياً وسياسياً، وسوقاً ضخمة، وقدرات مالية واستثمارية هائلة.

الدول الكبرى لا تحميها أموالها؛ تحميها قوتها العسكرية وقدرتها على استخدام هذه القوة عندما يصبح استخدامها ضرورياً.

 

محمد بن سلمان: مشروع تحديث حقيقي… لكن أين القوة الصلبة؟

 

القيادة الجديدة في السعودية، بقيادة محمد بن سلمان، أحدثت تغييراً عميقاً في المجتمع والاقتصاد السعودي.

وهذا التغيير أخاف بعض القوى، وأربك أخرى، وأعاد رسم صورة السعودية في المنطقة والعالم.

لكن الخطر ليس في طموح محمد بن سلمان.

الخطر في أن يتحول الطموح إلى مشاريع عملاقة من دون أن يرافقه بناء موازٍ للقوة الصلبة للدولة.

لقد تم التركيز بصورة هائلة على رؤية 2030، ونيوم، وذا لاين، والسياحة، والاستثمارات، والتكنولوجيا، والمدن الجديدة.

كل ذلك مهم. لكن هناك سؤالاً لا يجوز أن يختفي خلف بريق هذه المشاريع:

من سيحمي السعودية عندما يصبح الاقتصاد نفسه هدفاً للحرب؟

من يحمي نيوم؟ من يحمي المنشآت النفطية؟ ومن يضمن استمرار الاقتصاد في حال تعرضت المملكة لحرب طويلة؟

الإجابة يجب ألا تكون: «حلفاؤنا».

الإجابة الصحيحة يجب أن تكون: الجيش السعودي، والصناعة العسكرية السعودية، والتكنولوجيا السعودية، والاستخبارات السعودية، والاقتصاد السعودي القادر على الصمود.

 

السعودية تحتاج إلى «رؤية عسكرية» قبل حاجتها إلى رؤية اقتصادية

 

إذا كانت رؤية 2030 تهدف إلى تحويل الاقتصاد السعودي، فإن السعودية تحتاج أيضاً إلى رؤية دفاعية 2040، وربما تكون أهم من بعض المشاريع الاقتصادية العملاقة.

رؤية تبدأ من سؤال واحد:

كيف تصبح السعودية قادرة على خوض حرب حديثة والدفاع عن نفسها دون انتظار وصول أحد؟

وهذا يعني بناء منظومة عسكرية متكاملة تشمل:

– مخزوناً استراتيجياً ضخماً من الذخائر وقطع الغيار.

– تطوير العقيدة العسكرية والقيادات العسكرية السعودية.

– والأهم: توطين المعرفة، وليس مجرد تجميع السلاح.

أن تشتري السعودية طائرة مقاتلة من الخارج لا يجعلها قوة صناعية.

أما أن تستطيع إنتاج أجزاء الطائرة، وصيانة محركاتها، وتطوير إلكترونياتها، وإنتاج ذخيرتها، وتحديث أنظمتها، وإصلاحها خلال الحرب، فهذه هي القوة الحقيقية.

القوة الحقيقية تبدأ عندما يصبح بإمكان السعودية أن تقول: «إذا توقف العالم عن بيعنا السلاح غداً، سنستمر في القتال».

 

السعودية تحتاج إلى علاقات استراتيجية مع الجميع، لكن يجب تغيير فلسفة التحالف.

والقاعدة الذهبية هي: إذا كان لديك جيش قوي وصناعة عسكرية قوية، يصبح الحليف أكثر قيمة.

 

الاعتماد الأمني أخطر أنواع الاعتماد… والمستشارون يبيعون الأحلام

 

عندما تكون القيادة طموحة وشابة، وتريد تغيير بلد بأكمله خلال سنوات قليلة، فإنها تصبح بحاجة إلى مستشارين قادرين على قول الحقيقة، لا إلى مستشارين يقولون ما تريد القيادة سماعه.

المشكلة تبدأ عندما يتم إقناع القيادة بأن القوة الاقتصادية وحدها ستجعل السعودية قوة عالمية.

القوة الاقتصادية تحتاج إلى قوة عسكرية تحميها، والقوة العسكرية تحتاج إلى اقتصاد قوي يمولها.

هذه هي المعادلة.

 

السعودية أمام خيار تاريخي

 

لديها المال، ولديها الشباب، ولديها الموقع، ولديها الموارد. ولديها قيادة تستطيع اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة.

وحمايتها الحقيقية تكون عندما تصبح المملكة قادرة على امتلاك قوة عسكرية مستقلة، وصناعة دفاعية متقدمة، واستخبارات فعالة، واقتصاد قادر على تحمل الحرب، وتكنولوجيا وطنية، وقرار استراتيجي لا يحتاج إلى إذن أحد.

وعندها فقط يصبح المال السعودي أداة للقوة، لا بديلاً عنها.

السعودية لا تحتاج إلى مزيد من الحلفاء بقدر ما تحتاج إلى أن تصبح هي القوة التي لا يستطيع الحلفاء ولا الخصوم تجاهلها.

والقاعدة التي يجب أن تُكتب فوق مكتب كل صانع قرار في الرياض هي: لا تبنِ أمنك على من يستطيع أن يتركك وحدك عندما تبدأ الحرب. ابنِ القوة التي تجبر الجميع على الوقوف إلى جانبك.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة