بين حماية المواطن وحماية الهدر: معركة الاتصالات الحقيقية

تادي عواد10 سبتمبر 2026آخر تحديث :
بين حماية المواطن وحماية الهدر: معركة الاتصالات الحقيقية

بقلم تادي عواد

في لبنان، يكفي أن تقترب الدولة من أي ملف مالي حساس حتى تبدأ الأسئلة والاعتراضات والحملات السياسية والإعلامية. وهذا ما يبدو أنه يحصل اليوم مع وزير الاتصالات شارل الحاج، على خلفية ملف التشريج وتحويل الأرصدة في شركتي Alfa وTouch.

لكن قبل إطلاق الأحكام، من الضروري العودة إلى ما قاله الوزير فعليًا، لا إلى ما نُسب إليه.

الوزير لم يقل إن المواطن لن يعود قادرًا على تشريج خطه، ولم يصدر قرارًا بإلغاء تحويل الأرصدة، ولم يحدد تاريخًا لوقف الخدمة. بل قال بوضوح إن المواطن يدفع، لكن جزءًا من هذه الإيرادات لا يصل إلى الشركات ولا إلى الخزينة، وإنه، بعد ملاحظة فروقات في الإيرادات، طلب التدقيق في الموضوع.

 

وهنا تحديدًا يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي.

 

الوزير لا يحارب التشريج… بل يبحث عن المال المتسرب

جوهر القضية، بحسب شرح الوزير، ليس المواطن ولا حقه في استخدام هاتفه أو تشريج خطه بالمبلغ الذي يناسبه.

جوهر القضية هو سؤال مالي وتقني واضح:

إذا كان المواطن يدفع، فلماذا لا يصل كامل المبلغ إلى الجهة التي يجب أن تحصل عليه؟

هذا السؤال ليس اعتداءً على المواطن، بل هو في صلب مسؤولية وزير الاتصالات، خصوصًا أن الاتصالات الخلوية تشكل موردًا مهمًا للدولة اللبنانية.

ومن الطبيعي أن يقوم الوزير، عندما يلاحظ فروقات في الإيرادات، بطلب التدقيق والتحقق من مصدرها وآلية حصولها والجهات المستفيدة منها.

النقطة الأكثر أهمية في رد الوزير هي حديثه عن وجود شبكة تستخدم خدمة أُنشئت أساسًا لتسهيل حياة المواطنين بطريقة غير مخصصة لها.

وهنا يجب عدم الخلط بين أمرين:

هناك مواطن يحوّل مبلغًا من رصيده إلى ابنه أو زوجته أو صديقه.

وهناك استخدام ممنهج لنظام التحويل لأغراض تجارية وتحقيق أرباح خارج المسار الطبيعي للإيرادات.

الأول خدمة مشروعة للمواطن، أما الثاني فهو مشكلة مالية وتنظيمية يجب معالجتها.

ومن غير المنطقي أن تتحول حماية خدمة المواطن إلى ذريعة لحماية أي شبكة تستغل هذه الخدمة لتحقيق أرباح على حساب الشركات والخزينة.

 

الوزير قدّم ضمانة أساسية: لا مساس بالمشترك

 

الأهم في موقف الوزير أنه لم يطرح معالجة تقوم على تحميل المواطن الكلفة.

بل أكد أن أي خطوة مستقبلية لن تطاول خدمة المشترك قبل تأمين بديل رسمي يحافظ على إمكانية الحصول على الخدمة بسعر مناسب، وخصوصًا لأصحاب الدخل المحدود.

وهذه نقطة يجب تثبيتها.

فالإصلاح الحقيقي لا يكون بمنع المواطن من الخدمة، وإنما بإغلاق الثغرة التي تسمح بتسرب الإيرادات، مع إبقاء الخدمة متاحة للمشتركين.

كما نفى الوزير أن يكون تحويل الأرصدة بين المشتركين قد أُلغي، وأكد أن الأرصدة محفوظة.

إذن، ما صدر حتى الآن، وفق كلام الوزير نفسه، ليس قرارًا بمنع التشريج أو مصادرة أرصدة المواطنين، وإنما عملية تدقيق ومحاولة لمعالجة خلل في الإيرادات.

 

لماذا تحولت القضية إلى حملة ضد الوزير؟

 

هنا يجب أن نكون أكثر واقعية.

الخبر الذي يصل إلى المواطن بصيغة «وقف التشريج» أو «وقف تحويل الأرصدة» أكثر إثارة بكثير من خبر يقول إن وزارة الاتصالات تجري تدقيقًا في فروقات مالية.

وهكذا يمكن أن تنتقل القضية من:«هناك تسرب في الإيرادات ونريد معرفة سببه»

إلى: «الوزارة تريد منع المواطن من التشريج وتحويل رصيده».

وهذا تغيير كامل في طبيعة القضية.

ومن حق المواطن أن يقلق إذا كان هناك قرار سيحرمه من خدمة يحتاج إليها، لكن لا يجوز بناء حملة كاملة على قرار يقول الوزير إنه لم يصدر أصلًا.

 

لا يجوز أن تصبح حماية المواطن غطاءً لحماية الهدر

 

لبنان دفع ثمنًا باهظًا بسبب ثقافة التساهل مع المال العام.

ولهذا، فإن أي محاولة لضبط إيرادات قطاع الاتصالات يجب ألا تُواجه تلقائيًا باعتبارها اعتداءً على المواطن.

المعيار يجب أن يكون واضحًا:

هل سيخسر المواطن حقه في الخدمة؟

إذا كان الجواب لا، وإذا كانت الوزارة تلتزم بتوفير بديل رسمي وبسعر مناسب، فلماذا رفض معالجة خلل مالي محتمل؟

بل إن المواطن نفسه هو أول المستفيدين من وقف التسرب.

فكل دولار يدفعه اللبناني مقابل خدمة يجب أن يكون واضحًا أين ذهب، ومن حصل عليه، وكيف سُجّل في حسابات الشركات والخزينة.

 

«نوقف التسرب، مش المواطن»

 

عبارة الوزير الأخيرة تختصر جوهر المعركة:

«المطلوب بسيط: نوقّف التسرّب، مش المواطن».

وهي في الحقيقة صيغة يمكن البناء عليها بدل الدخول في سجال سياسي عقيم.

وفي المقابل، يجب أن يبقى المواطن قادرًا على الحصول على الخدمة بأسعار مناسبة، وأن تبقى أرصدته محمية.

الدفاع عن الإصلاح لا يعني الدفاع عن الأشخاص

أما إصدار حكم مسبق على الوزير لأنه طلب التدقيق في فروقات مالية، فهو أمر لا يخدم لا المواطن ولا المال العام.

 

الوزير اتخذ موقفًا يقول إن المشكلة ليست في المواطن الذي يدفع، بل في الأموال التي لا تصل إلى وجهتها.

والرد على هذا الموقف يجب ألا يكون بالصراخ السياسي، بل بالسؤال المهني الواضح:

أين تذهب الأموال المتسربة؟

وهذا هو التحقيق الذي يجب أن يبدأ الآن.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة