من يملك الحديدة يملك مفتاح البحر الأحمر.. معركة تتجاوز اليمن

MehdiRezaمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
الباحثة كنانة خلف الكردي

فهي معركة تتجاوز اليمن إلى قلب الأمن الإقليمي لم تعد المعارك الدائرة في الحديدة بين القوات اليمنية والقبائل والقوى المحلية من جهة، وميليشيات الحوثي من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية على خطوط تماس داخلية. فالمشهد في الساحل الغربي اليمني يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجغرافيا اليمنية، نظراً إلى موقع الحديدة على البحر الأحمر وقربها من واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم: باب المندب.

 

السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من سيسيطر على الحديدة؟ بل: هل نحن أمام بداية إعادة تشكيل لموازين القوة في اليمن، أم أمام جولة جديدة من حرب طويلة؟

 

الحديدة.. مفتاح الساحل الغربي

 

تمثل الحديدة أهمية استثنائية في المعادلة اليمنية. فهي ميناء رئيسي، ونافذة بحرية، وعقدة طرق تربط الساحل بالمناطق الداخلية.

 

ومن يملك تأثيراً عسكرياً وسياسياً على الحديدة يمتلك ورقة مهمة في ملفات الأمن والاقتصاد والملاحة.

 

ولهذا فإن السيطرة على الساحل الغربي تعني أكثر من السيطرة على مساحة جغرافية؛ إنها تعني امتلاك قدرة على التأثير في خطوط الإمداد، وحركة التجارة، والاقتصاد اليمني، وأمن البحر الأحمر.

 

وهنا تتجاوز المعركة حدود اليمن لتدخل في الحسابات الإقليمية والدولية.

 

القبائل والقوى المحلية.. عامل التحول

 

دخول القبائل والقوى المحلية في مواجهة الحوثيين يحمل دلالة استراتيجية مهمة، لأن قوة أي جماعة مسلحة لا تقوم على السلاح وحده، وإنما على قدرتها على الاحتفاظ ببيئة اجتماعية حاضنة.

 

وإذا تحولت مناطق الساحل الغربي إلى بيئة مقاومة للحوثيين، فإن الجماعة ستواجه تحدياً يتجاوز خسارة موقع عسكري؛ إذ قد تبدأ خطوط نفوذها الاجتماعية واللوجستية بالتآكل.

 

لكن هناك قاعدة يجب ألا تغيب:

 

القبيلة يمكن أن تكون سنداً للدولة، لكنها لا يجب أن تصبح بديلاً عنها.

 

فالهدف النهائي لأي معركة وطنية يجب أن يكون استعادة مؤسسات الدولة، لا استبدال جماعة مسلحة بمجموعة أخرى من مراكز القوة.

 

باب المندب.. جوهر المعركة

 

تكمن الخطورة الأكبر في ارتباط الحديدة بالساحل الغربي وباب المندب.

 

فهذا الممر البحري يمثل حلقة أساسية في حركة التجارة العالمية، وأي اضطراب أمني مستمر في البحر الأحمر ينعكس على تكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد الدولية.

 

ومن هنا فإن أي تغير في ميزان القوى على الساحل اليمني لن يبقى شأناً داخلياً.

 

كلما اقتربت المعارك من خطوط الملاحة، ارتفعت أهمية اليمن في الحسابات الدولية، وأصبح الصراع اليمني جزءاً من معادلة أكبر تتعلق بأمن البحر الأحمر والخليج وحركة التجارة العالمية.

 

الحوثيون أمام اختبار استراتيجي

 

استطاع الحوثيون خلال السنوات الماضية بناء منظومة عسكرية وسياسية معقدة، مستفيدين من الجغرافيا والتحالفات وشبكات الدعم الخارجي.

 

لكن استمرار الضغط العسكري عليهم في الساحل الغربي قد يفرض معادلة جديدة.

 

فخسارة مناطق ساحلية مهمة لا تعني فقط خسارة أرض، وإنما قد تعني فقدان قدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.

 

وهنا تظهر أهمية البعد الإقليمي، خصوصاً أن القوة الحوثية ارتبطت خلال السنوات الماضية بشبكة النفوذ الإيراني في المنطقة.

 

وبالتالي فإن تقليص قدرة الحوثيين على تهديد الساحل والملاحة يمكن أن يحد من إحدى أدوات الضغط الإقليمية الأكثر أهمية.

 

الخطر الأكبر: ماذا بعد المعركة؟

 

الانتصار العسكري وحده لا يكفي.

 

وهذه هي النقطة التي يجب أن تكون حاضرة لدى القوى اليمنية المناهضة للحوثيين.

 

فإذا تمت استعادة منطقة ثم بقيت منقسمة بين تشكيلات عسكرية متعددة، فإن المشكلة لن تكون قد انتهت.

 

السؤال الأهم بعد أي تقدم عسكري هو:

 

من سيدير الأرض؟

 

ومن سيحمي المؤسسات؟

 

ومن سيتولى الموانئ؟

 

ومن سيضمن الخدمات؟

 

ومن سيمنع ظهور اقتصاد حرب جديد؟

 

ومن سيجمع السلاح تحت مؤسسة عسكرية وطنية واحدة؟

 

إذا لم توجد إجابات واضحة، فقد يتحول الانتصار العسكري إلى مجرد هدنة مؤقتة قبل اندلاع صراع جديد.

 

ثلاثة مسارات محتملة

 

يمكن قراءة المرحلة المقبلة من خلال ثلاثة سيناريوهات:

 

الأول: الاحتواء العسكري.

تتوقف المعارك عند حدود معينة، ويعاد تثبيت خطوط التماس، وهو سيناريو قد يخفف الخسائر لكنه يبقي جذور الصراع قائمة.

 

الثاني: التوسع العسكري.

تتحول معارك الساحل الغربي إلى عملية أوسع لإعادة رسم خريطة السيطرة، وهو سيناريو قد يغير ميزان القوى، لكنه يحمل كلفة إنسانية وسياسية كبيرة.

 

الثالث: التصعيد الإقليمي.

تتحول الجبهة اليمنية إلى جزء من مواجهة أوسع، خصوصاً إذا امتد التصعيد إلى الملاحة الدولية أو المصالح الإقليمية والدولية.

 

وهذا السيناريو هو الأخطر، لأنه يجعل اليمن ساحة مفتوحة لصراع يتجاوز حدودها.

 

المعركة الحقيقية هي معركة الدولة

 

إن مستقبل الحديدة لن يُحسم بالسلاح وحده.

 

المعركة الحقيقية هي: هل تستطيع القوى اليمنية تحويل أي تقدم عسكري إلى مشروع دولة؟

 

اليمن بحاجة إلى جيش وطني موحد، وقرار عسكري واحد، ومؤسسات قادرة على إدارة الموانئ والمناطق المحررة، واقتصاد بعيد عن شبكات الحرب، وتسوية سياسية تمنع إعادة إنتاج الانقسام.

 

فالخطر ليس فقط أن يسيطر الحوثيون على الدولة، وإنما أن تتحول مقاومة الحوثيين نفسها إلى منظومة فصائل متنافسة.

 

ولهذا فإن القاعدة الاستراتيجية الأهم هي:

 

لا يكفي تحرير الأرض؛ يجب تحرير الدولة من منطق الميليشيا.

 

الحديدة ليست مجرد مدينة أو ميناء. إنها عقدة تجمع بين اليمن والبحر الأحمر وباب المندب وأمن الخليج والتجارة العالمية والصراع الإقليمي على النفوذ.

 

ومن هنا فإن ما يجري فيها قد يكون بداية تحول في ميزان القوى اليمني.

 

لكن الانتصار الحقيقي لن يكون في عدد المواقع التي يتم الاستيلاء عليها، بل في القدرة على بناء دولة واحدة، وجيش واحد، وسلاح واحد، وقرار سيادي واحد.

 

فإذا انتصرت الدولة، انتهت الحرب. أما إذا انتصرت الفصائل، فقد تبدأ حرب جديدة.

الباحثة كنانة خلف الكردي

 

 

 

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة