إيران تعيد بناء قيادتها.. عودة الحرس القديم

تادي عواد11 أغسطس 2026آخر تحديث :
إيران تعيد بناء قيادتها.. عودة الحرس القديم

 

منذ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربات صاروخية إسرائيلية-أميركية استهدفت طهران أواخر فبراير 2026، تعيش الجمهورية الإسلامية أخطر فترة انتقال سلطة تمر بها منذ رحيل مؤسسها الخميني عام 1989. وبعد أقل من ستة أشهر على تولي نجله مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى الثالث، تكشف موجة التعيينات العسكرية والأمنية الأخيرة أن طهران لا تكتفي بترميم هرم قيادي أصابته الحرب في مقتل، بل تعيد أيضاً توزيع موازين القوى الداخلية في لحظة تفاوضية بالغة الحساسية مع واشنطن.

 

 

جيش يُعاد بناؤه تحت النار

 

في مرسوم واحد صدر مساء الاثنين الماضي، أعلن مجتبى خامنئي ست تعيينات قيادية دفعة واحدة، شملت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة والحرس الثوري وقوة الباسيج. تولى اللواء علي عبد اللهي رئاسة الأركان العامة خلفاً للفريق عبد الرحيم موسوي، فيما عُيّن اللواء أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري خلفاً لمحمد باكبور، وحسين طائب على رأس الباسيج خلفاً لغلام رضا سليماني، إلى جانب تعيينات في قيادة القوة البحرية للحرس ونيابة الأركان.

 

 

اللافت أن أربعة من هذه المناصب الستة لم تكن شاغرة لأسباب إدارية، بل بسبب خسائر مباشرة لحقت بالقيادة العسكرية خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة. بعبارة أخرى: هذه ليست دورة تعيينات روتينية، بل عملية ترميم عاجلة لهرم قيادي اغتيل جزء كبير منه.

 

 

ولم يُخفِ المرشد الجديد الطابع الهجومي لهذه المرحلة. فبحسب تحليلات متابعة عن كثب للمشهد الإيراني، تكشف صياغة القرارات والمهام الممنوحة للقادة الجدد عن توجه واضح نحو قيادة أسرع أداءً وجاهزية هجومية أكبر، مع توسيع دور الباسيج في مقاربة أمنية قائمة على “المشاركة الشعبية” — أي تحسباً لمواجهة قد تتجاوز الجبهة العسكرية التقليدية إلى الداخل المجتمعي.

 

 

رضائي في قلب القرار.. والحرس القديم يعود إلى الواجهة

 

قبل يوم واحد من هذه التعيينات العسكرية، شهدت قمة المؤسسة الأمنية الإيرانية تطوراً لا يقل دلالة: تعيين محسن رضائي، القائد التاريخي للحرس الثوري إبان الحرب مع العراق، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي. الخطوة لم تمر بسلاسة؛ إذ نشرت وكالات إيرانية رسمية عدة الخبر ثم سحبته أكثر من مرة، في مشهد من الارتباك يعكس خلافاً داخلياً حول هذا الملف بالذات، وسط إشارات إلى تحفظ الرئيس مسعود بزشكيان قبل أن يُصدر القرار رسمياً.

 

 

صحيفة نيويورك تايمز الأميركية قرأت في صعود رضائي محاولة من مجتبى خامنئي للحد من نفوذ رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وترسيخ سلطة “الحرس القديم” داخل مؤسسات القرار. ونقلت عن باحث متخصص في الشؤون الأمنية الإيرانية أن هذا التعيين يشير إلى أن القيادات الأمنية المخضرمة تواصل تثبيت سلطتها، بدل إفساح المجال أمام جيل أصغر من النخب السياسية لتولي زمام الأمور.

 

 

واللافت أن قاليباف نفسه كان قد دافع سابقاً عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمته إيران مع واشنطن في يونيو الماضي، في وقت هاجمت فيه عناصر أكثر تشدداً هذا الاتفاق — ما يجعل من ترقية رضائي، ذي الخلفية العسكرية الصرفة والنزعة التصعيدية التاريخية تجاه الولايات المتحدة، رسالة توازن أو ربما ترجيح كفة داخل مطبخ القرار الإيراني.

 

 

قراءة في المعنى: عسكرة القرار في لحظة تفاوض حرجة

 

يتقاطع التطوران — إعادة بناء القيادة العسكرية وتغيير رأس الأمن القومي — في لحظة إيرانية بالغة الحساسية: مفاوضات مفتوحة وغامضة مع سلطنة عُمان حول مضيق هرمز، وملف نووي معلّق، وتهديدات أميركية متواصلة. تحليلات عربية عدة ترى أن هذا التحول لا يعكس مجرد تبدّل في المناصب، بل يكشف عن مرحلة يتقدم فيها المنطق العسكري على السياسي، وتتراجع فيها مساحة الدبلوماسية لصالح خطاب الردع والقوة.

 

 

في المقابل، ثمة من يقرأ المشهد بشكل أكثر تعقيداً: فتعيين رضائي، الذي يوصف بأنه “براغماتي متشدد”، قد لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمام التفاوض، بل توفير غطاء أمني-عسكري قوي لأي تسوية محتملة، بما يحصّن القيادة السياسية الشابة من اتهامها بالتفريط إذا ما اضطرت لتقديم تنازلات في ملفي هرمز والنووي.

 

 

مرشد لم يكتمل حضوره بعد

 

يبقى عنصر أساسي في المعادلة: مجتبى خامنئي نفسه، الذي انتُخب وسط معارضة داخلية لافتة من أعضاء في مجلس الخبراء، وبضغط موصوف من الحرس الثوري على عملية الاختيار. أشارت تقارير إلى أن حسين طائب، القيادي الأمني البارز الجديد في الباسيج، يشكّل حلقة وصل عملية بين مرشد لا يزال حضوره العلني محدوداً نسبياً وبين كبار المسؤولين في الدولة — ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى تماسك سلطته الفعلية الحالية، مقارنة بالنفوذ المطلق الذي راكمه والده على مدى 36 عاماً.

 

 

خلاصة

 

ما يجري في طهران اليوم هو أكثر من مجرد تعيينات: إنه إعادة تشكيل شاملة لهرم السلطة في ظل مرشد جديد لم تكتمل شرعيته الفعلية بعد، وجيش يُعاد بناؤه على عجل بعد ضربة غير مسبوقة استهدفت رأسه، ومؤسسة أمنية تعيد التموضع بين خيار المواجهة وخيار التفاوض. المؤشرات كلها تصب في اتجاه واحد: إيران تراهن على الاستمرارية المؤسسية والوجوه المخضرمة لتجاوز أخطر مرحلة انتقال سلطة تمر بها منذ نشأة الجمهورية الإسلامية، فيما تبقى المواجهة مع واشنطن، وملف مضيق هرمز تحديداً، الاختبار الحقيقي لمدى صلابة هذا الهرم الجديد.

 

 

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة