تحت المجهر

تسريب بيانات مصرف لبنان إلى الخارج: بين سرّية المادة 151 وأصول التعاون القضائي مع فرنسا

في بلدٍ لم يبقَ من ثقةٍ في نظامه المالي سوى ما يستند إلى ركيزتين: سرّية المعلومات وسيادة القانون، يصبح أي حديث عن نقل بيانات مصرفية حسّاسة إلى دولة أجنبية—وخارج القنوات الرسمية—مسألة تتجاوز الجدل السياسي إلى شبهة مخالفة قانونية تمسّ بالأمن الاقتصادي وحقوق الأفراد وسلامة التحقيقات.

خلال الأسابيع الماضية، تزايد التداول الإعلامي حول تواصلٍ مباشر لحاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، مع جهة قضائية فرنسية، بل وعقد لقاءات في باريس مع قاضية تحقيق فرنسية تخلّلها تزويدها بـ«معلومات أساسية» وفق ما نُقل في بيانات وتغطيات إعلامية. هذه الوقائع—إن صحّت—تفرض مقاربة قانونية بحتة: لا إدانة مسبقة ولا تبرئة مجانية، بل تثبيت معيار واضح. فإذا كان الكشف قد طال معلومات مشمولة بالسرية وخارج الأصول، فنحن أمام خرقٍ جسيم. أمّا إذا كان التعاون تمّ ضمن الأطر القانونية، فيجب توثيقه وإعلانه بشفافية، لأن الغموض في هذا الملف يدمّر الثقة بحدّ ذاته.

أولاً: ماذا تقول المادة 151 من قانون النقد والتسليف؟
تنصّ المادة 151 من قانون النقد والتسليف على إلزام كل من ينتمي أو كان ينتمي إلى مصرف لبنان بكتمان السرّ المنشأ بقانون 3 أيلول 1956 (قانون السرية المصرفية). وتشمل السرية المعلومات والوقائع المتعلقة بزبائن المصرف وبالمصارف والمؤسسات المالية، وكذلك ما اطّلع عليه الموظف بحكم وظيفته.
هذه ليست قاعدة أخلاقية أو توجيهاً عاماً؛ إنها واجب قانوني مُلزم. وأي خروج عنه—خصوصاً باتجاه جهة أجنبية—يُثير مسؤولية إدارية وربما جزائية، تبعاً لطبيعة المعلومة وآلية نقلها ونتائج ذلك.

ثانياً: التعاون القضائي الدولي… مسار رسمي لا “خط مباشر”
التعاون القضائي الدولي (المساعدة القضائية المتبادلة/الاستنابات) ليس مراسلة شخصية بين مسؤول لبناني وقاضٍ أجنبي. المسار السليم—وفق الأصول المعتمدة—يمر عبر:
طلب رسمي من الجهة القضائية الأجنبية.
قنوات دبلوماسية بين وزارتي الخارجية.
إحالة إلى وزارة العدل اللبنانية.
تنفيذ عبر القضاء اللبناني المختص وضمن حدود القانون اللبناني.
إعادة الجواب عبر المسار نفسه.
حتى لو وُجد تعاون أو تفاهم مع فرنسا، فالتعاون لا يعني فتح “خط مباشر”. فالمعلومة المصرفية ليست ملكاً لشخص أو إدارة؛ إنها محكومة بنصوص إلزامية وبحقوق مواطنين وبحماية اقتصاد بلد.

ثالثاً: لقاءات باريس… بين التعاون المشروع والكشف غير المشروع
التفريق واجب بين احتمالين:
1) تعاون مؤسسي مشروع:
أن يقدّم المصرف بصفته متضرراً أو طرفاً مستندات غير مشمولة بالسرية، أو معلومات عامة، عبر القنوات الرسمية اللبنانية وتحت علم القضاء اللبناني وبمحاضر واضحة.
2) كشف غير مشروع:
أن تُنقل معلومات مصرفية حساسة مشمولة بالمادة 151 وقانون السرية المصرفية خارج القضاء اللبناني ومن دون مسار رسمي. هنا تقوم شبهة خرق النص.
أما انتقال الحاكم شخصياً للقاء قاضٍ أجنبي خارج مسار وزارة العدل والقنوات الدبلوماسية، فيطرح أسئلة قانونية بديهية:
هل وُجد تفويض رسمي واضح؟ ما طبيعة المعلومات؟ هل حُرّر محضر رسمي؟ هل روعيت قيود المادة 151؟
هذه ليست أسئلة سياسية بل أسئلة إجرائية تمسّ حجية الإجراءات وسلامة الملفات.

رابعاً: حتى في تبادل المعلومات… القانون يقيّد الجهة والطريقة
في مثال تبادل المعلومات الضريبية (قانون 55/2016)، حُددت “السلطة المختصة” وإجراءات خاصة حين تكون المعلومات مشمولة بالسرية، عبر هيئة التحقيق الخاصة، وتحت شروط دقيقة.
المغزى واضح: حين تكون المعلومات محمية بالسرية، لا تُعطى بالطريقة التي يريدها أي مسؤول؛ بل بالطريقة التي يرسمها القانون وبواسطة الجهة المختصة.

خامساً: التخبط السياسي قرينة اضطراب… لا دليل إدانة
ظهرت تسريبات عن خلافات وحملات إعلامية مرتبطة بموقع الحاكم وعلاقته برئاسة الجمهورية. قانونياً، هذه المواد لا تُثبت خرقاً بحد ذاتها، لكنها تعكس اضطراباً في إدارة موقع شديد الحساسية. وفي الملفات المالية، الاضطراب يُترجم فوراً في السوق كخطر، وفي المجتمع كفقدان ثقة.
تعرّض اللبنانيون لصدمة كبرى عام 2019، ولا يحتمل النظام المالي مزيداً من الضبابية. الثقة تُبنى بالمؤسسات لا بالتصريحات.

سادساً: ماذا على الحكومة أن تفعل؟
إذا كانت الحكومة جادة في حماية الأمن الاقتصادي، فالخطوات العاجلة واضحة:
طلب تقرير رسمي مفصّل من مصرف لبنان يحدّد:
ماهية اللقاءات أو المراسلات.
طبيعة المعلومات المُسلّمة.
الأساس القانوني لكل تسليم.
هل مرّ عبر وزارة العدل والقنوات الدبلوماسية أم لا.
تكليف وزارة العدل التثبت من وجود أي استنابة رسمية وكيفية تنفيذها.
تدقيق إداري في مسار حفظ البيانات ومن اطلع عليها وكيفية نقلها.
إصدار تعميم حكومي يمنع أي إدارة أو هيئة عامة—بما فيها مصرف لبنان—من مخاطبة سلطات أجنبية في ملفات حساسة خارج المسارات الرسمية.
إعداد بروتوكول واضح للتعاون القضائي المالي يحدد بدقة ما يجوز تبادله، وكيف، ومن هي الجهة المخوّلة.

السيادة ليست شعاراً
السؤال الذي يطرحه الرأي العام مشروع: كيف تُبنى الثقة بمصرف لبنان إذا كان حاكمه—الذي أقسم اليمين على احترام القوانين لا سيما المادة 151—يلجأ إلى قضاء أجنبي خارج مسار واضح وموثّق؟
وفي المقابل، إذا كان التعاون تمّ وفق الأصول، فلماذا لا تُنشر المستندات التي تثبت ذلك وتُنهي الجدل؟

المسألة هنا ليست رفضاً للتعاون القضائي مع فرنسا أو غيرها؛ فمكافحة الفساد وتبييض الأموال والإرهاب تقتضي تعاوناً دولياً. لكن التعاون شيء، وتجاوز القنوات السيادية شيء آخر.

الدولة تُقاس بقنواتها لا بنوايا مسؤوليها.
والمادة 151 ليست نصاً للزينة؛ إنها خط دفاع عن السيادة القانونية وعن النظام المالي وعن حقوق الناس.

إذا أرادت الحكومة فعلاً “بسط السيادة”، فلتبدأ بإعادة تعريفها في الممارسة:
توثيق، شفافية، إحالة إلى القضاء اللبناني، وإنهاء منطق الارتجال.

لأن ارتجالاً واحداً في ملف بيانات مصرفية قد يساوي سنوات إضافية من الانهيار… والثقة إذا سقطت مرة، لا تُستعاد بالشعارات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى