لبنان

المرض العوني: حين يتحوّل الحقد إلى مشروع سياسي

بقلم تادي عواد

في الآونة الأخيرة، يكثر هجوم التيار العوني على حزب القوات اللبنانية من دون أسباب واقعية في معظم الأحيان. اللافت ليس فقط حدّة الخطاب، بل الكمية الهائلة من الأكاذيب والافتراءات اليومية التي تُضخّ بشكل منظّم، وكأن المطلوب خلق عدو دائم لتغطية الإفلاس السياسي والفكري.

هذا السلوك ليس وليد الصدفة.
فالركيزة الأساسية التي تأسّس عليها التيار الوطني الحر لم تكن مشروع دولة، ولا رؤية إصلاح، بل “الحقد”. نعم، الحقد الصافي، الذي نشأ في بيئة سياسية عاجزة عن إنتاج بطولات أو تضحيات أو محطات كرامة حقيقية.

بحسب علم النفس، ما يُعرف بـ Inferiority Complex (عقدة النقص أو الدونية) يفسّر كثيرًا من هذا السلوك. فالإنسان — أو الجماعة — حين تعجز عن تحقيق إنجازات فعلية، تلجأ إلى تشويه إنجازات الآخرين. وحين تفشل في صناعة تاريخ مشرّف، تحاول هدم تاريخ غيرها.

الجيل العوني الأول لم يعرف وقفات العز، ولم يختبر معنى المواجهة دفاعاً عن الأرض والكرامة، ولم يعش لحظات القرار الصعب؛ كما أن تاريخ رئيسه ميشال عون مجبول بالهزائم، وأهمها أنه ترك ضباطه وجنوده يُذبحون على يد الجيش السوري، وهرب إلى السفارة الفرنسية.
في المقابل، يعرف اللبنانيون جيدًا ما قدّمه شباب القوات في عين الرمانة وزحلة وقنات والأسواق، حين تمكّن عدد قليل من المقاتلين من صدّ زحف قوات تفوقهم عددًا وعتادًا، وتحولوا — بدمهم وصمودهم — إلى رموز وبطولات حقيقية في الوعي المسيحي والوطني.

هنا تحديدًا تبدأ المشكلة.
فعقدة نقص الرجولة تولّد ردة فعل عكسية. علماء النفس يختصرونها بعبارة واضحة: الهروب من مشاعر الذل يقود إلى العدوانية. وهذا ما نراه اليوم بدقة مخيفة: خطاب عدائي، حقد مزمن، نكران جميل، ومحاولات مستمرة لتشويه صورة القوات.

التيار العوني لم يتحوّل إلى حالة هجومية عبثًا، بل لأنه فشل في كل امتحانات الحكم:
فشل في إدارة السلطة.
فشل في بناء الدولة.
فشل في مكافحة الفساد.
فشل في حماية الوجود والمصالح المسيحية.
وفشل في منع سقوط لبنان في حضن محور إيران، بل كان شريكًا في إسقاطه.
وعندما يفشل المشروع، يصبح الافتراء ضرورة.
وعندما تسقط الأقنعة، يبدأ نبش الماضي وتشويه التضحيات.

الحقيقة بسيطة مهما حاولوا تزويرها:
القوات لم تبنِ جمهورها بالكذب، بل بالدم.
لم تصنع تاريخها بالتحريض، بل بالمواجهة.
ولم تحافظ على حضورها بالشتائم، بل بالثبات.
أما المرض العوني، فسيبقى يدور في حلقة مفرغة: حقد يولّد كذبًا، وكذب يولّد عدوانية، وعدوانية تعمّق الشعور بالدونية.
وهكذا، بدل أن يواجهوا فشلهم، يفضّلون مهاجمة من بقي واقفًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى