صراع السرديات: بين “مخيمات البؤس” وأضواء “الكازينو”

في الحرب اللبنانية، تحول لبنان إلى ساحة صراع لم تقتصر على الرصاص والبارود فحسب، بل امتدت لتشمل “حرب السرديات”. كانت البعثات الدبلوماسية وأقطاب الصحافة العالمية يتدفقون على ضفتي النزاع، محاولين فك رموز المأساة الفتية.
إمبراطورية السردية المظلومة
على الضفة الأولى، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تعيش عصرها الذهبي؛ إمبراطورية مالية مدعومة بمليارات تتدفق من عواصم العرب، ودول عدم الانحياز، ومن خلف الستار الحديدي للمعسكر الاشتراكي. كان ياسر عرفات آنذاك يتصدر غلاف “تايم” كـ “رجل العام”، وفي جيب سرواله ولاء وخدمات أقلامٍ عالمية ومحلية، منهم من غدت كتبهم مراجع تُدرّس في أروقة الخارجية الأمريكية.
بذكاءٍ دعائي حاد، كانت المنظمة تقتاد زوارها من الساسة والصحفيين مباشرةً إلى “دهاليز اليأس” في مخيمات اللاجئين، لتستعرض أمام عيونهم صور البؤس والشقاء، محولةً الحرمان البشري إلى سلاحٍ دبلوماسي فتاكٍ يحصد التعاطف الدولي.
عزلة “الوجه الحضاري”
في المقابل، كانت الجبهة اللبنانية، الممثلة للوجدان المسيحي، ترزح تحت وطأة “برصٍ سياسي” جعلها تعيش شبه عزلة دولية، حتى أن الفاتيكان نفسه آثر النأي بنفسه عن تبني قضيتها علانية. كانت قواتها العسكرية تخوض معارك استنزافٍ على جبهات متعددة، وبإمكانيات مادية وبشرية مثقلة بالمحدودية.
وعوضاً عن إظهار جراحها، كانت الجبهة، وفي محاولةٍ لكسر عزلتها، تحرص على استضافة الموفدين الدوليين في “كازينو لبنان”. هناك، وبين أضواء الخليج الساحر ومظاهر الترف، حاولت تسويق “الوجه الحضاري” لمسيحيي الشرق، ظناً منها أن الرقي هو المفتاح لقلوب الغرب.
المفارقة المرة: بينما كانت المنظمة تبيع العالم “صورة الضحية” من قلب البؤس وهي في قمة قوتها، كانت الجبهة تبيع العالم “صورة الرفاهية” من قلب الكازينو وهي في قمة حصارها. فمن منهما ربح”معركة الصورة”، من كسب معركة الوعي العالمي، ومن خسر رهان الواقع؟
إيلي اسطفان المندلق




