
نظام مير محمدي*
يشكل إدراج قوات الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب الدولية، لا سيما في السياق الأوروبي والكندي المتصاعد، نقطة تحول استراتيجية تتجاوز مجرد العقوبات الاقتصادية. إن قراءة معمقة في المشهد الحالي، استناداً إلى أدبيات المقاومة الإيرانية وتحليل الوقائع الميدانية، تشير إلى أن هذا التصنيف يمثل “رصاصة الرحمة” لسياسة المهادنة الغربية التي استمرت عقوداً، واعترافاً ضمنياً -وإن كان متأخراً- بحق الشعب الإيراني في مواجهة هذه الآلة القمعية.
نهاية حقبة “الابتزاز والاسترضاء”
لطالما اعتمد النظام الإيراني على الحرس الثوري كأداة مزدوجة: قمع الداخل وتصدير الإرهاب للخارج لابتزاز المجتمع الدولي. تشير التحليلات إلى أن الغرب، ولسنوات طويلة، وقع في فخ “المهادنة” ظناً منه أن احتواء النظام ممكن. لكن تصنيف الحرس الثوري إرهابياً يعني انهيار هذه الفرضية بالكامل.
إن هذا الإجراء يبعث برسالة واضحة مفادها أن العالم لم يعد يرى في طهران شريكاً سياسياً، بل كياناً راعياً للإرهاب يجب عزله. هذا التحول يقطع شريان الحياة السياسي الذي كان يتغذى عليه النظام، حيث كان يستخدم المفاوضات غطاءً لتوسيع نفوذه العسكري والنووي. الآن، سقط القناع، وبات النظام عارياً أمام المجتمع الدولي وأمام شعبه.
الاقتصاد في قبضة الإرهاب
من الزاوية الاقتصادية، لا يعتبر الحرس الثوري مجرد قوة عسكرية، بل هو “كارتل” اقتصادي ضخم يسيطر على أكثر من نصف الاقتصاد الإيراني. إن تصنيفه إرهابياً يعني عملياً شلّ قدرة النظام على تمويل آلات القمع. كل دولار يدخل في جيوب الحرس الثوري كان يتحول إلى رصاصة في صدور المتظاهرين أو طائرة مسيرة تضرب دول الجوار. لذا، فإن تجفيف هذه المنابع هو خطوة ضرورية لكسر شوكة القمع في الداخل، وهو ما يهيئ الأرضية لانهيار الهيكل الاقتصادي للنظام المتداعي أصلاً.
“حق الدفاع المشروع”: المعادلة الجديدة
لعل النتيجة الأهم لهذا التصنيف هي البعد الحقوقي والسياسي المتعلق بالشعب الإيراني. عندما يصنف العالم الحرس الثوري كـ “منظمة إرهابية”، فهذا يعني تلقائياً أن من يقاتل هذا الإرهاب يمارس عملاً مشروعاً.
هنا يبرز مفهوم “حق الدفاع المشروع”. لا يمكن للمجتمع الدولي أن يصنف الحرس إرهابياً ثم يطلب من الشعب الإيراني الخضوع له. إن هذا التصنيف يمنح شرعية دولية وأخلاقية للمواجهة التي يخوضها الشعب الإيراني ضد قتله. إنها معادلة بسيطة: في مواجهة الإرهاب الرسمي، يصبح التصدي والمقاومة حقاً طبيعياً وقانونياً، وليس تمرداً غير شرعي.
دور “الشباب الثوار” في حسم المعركة
في ظل هذا المناخ الدولي المتغير، يبرز الدور الحاسم للعامل الداخلي. إن العزلة الدولية للنظام وتصنيفه إرهابياً يعطي زخماً معنوياً وعملياتياً هائلاً للقوى الميدانية. وهنا يأتي دور “وحدات الانتفاضة” الذين يشكلون رأس الحربة في هذه المواجهة.
إن استراتيجية “وحدات الانتفاضة” في توجيه ضربات نوعية لمراكز القمع ورموز النظام، تتناغم الآن تماماً مع التوجه الدولي. لم يعد هؤلاء الشباب يقاتلون “حكومة” معترفاً بها، بل يواجهون “منظمة إرهابية” منبوذة عالمياً. هذا التناغم بين الضغط الدولي (العقوبات والتصنيف) والضغط الداخلي (عمليات “وحدات الانتفاضة” والانتفاضات الشعبية) هو الذي سيؤدي في النهاية إلى الإطاحة بالنظام.
صدى الميدان: من “الشباب الثوار” إلى برلين
بينما تقترب الذكرى السنوية لثورة عام ١٩٧٩ ضد الدكتاتورية الملكية، تتجه الأنظار صوب العاصمة الألمانية برلين، حيث يستعد التاريخ لتسجيل أكبر تجمع للمغتربين الإيرانيين في أوروبا. يوم السبت ٧ شباط/فبراير، ليس مجرد تظاهرة عابرة، بل هو استفتاء شعبي وسياسي في قلب أوروبا يضع حداً لأوهام النظام ومناورات بقايا الملكية على حد سواء.
تكتسب تظاهرة برلين أهميتها الاستثنائية من توقيتها وشعاراتها. ففي الوقت الذي يحاول فيه نظام الملالي قمع الانتفاضة بالرصاص الحي، وتسعى فلول النظام السابق لركوب موجة الغضب الشعبي، يأتي هذا الحشد ليعلن بصوت واحد: “لا لحكم الملالي، ولا لعودة الديكتاتورية الشاه”.
إن الرسالة الأهم التي يحملها هذا التجمع الضخم هي وحدة المسار بين الإيرانيين في الخارج والمنتفضين في الداخل. هؤلاء ليسوا إلا صدىً لصوت “الشباب الثوار” الذين يواجهون آلة القمع الوحشية للحرس الثوري في شوارع إيران وأزقتها.
الخاتمة: الطريق نحو السقوط
إن تصنيف الحرس الثوري إرهابياً ليس مجرد إجراء عقابي، بل هو إعلان عن بدء مرحلة السقوط الحتمي للنظام. لقد فقدت طهران درعها الدبلوماسي (المهادنة) وتواجه الآن سيفاً مزدوجاً: عزلة دولية خانقة، وغلياناً داخلياً يقوده “وحدات الانتفاضة” الذين يمتلكون الآن، أكثر من أي وقت مضى، الشرعية الكاملة لممارسة حقهم في الدفاع عن النفس وإنهاء كابوس الديكتاتورية الدينية. إن العالم يتغير، وشمس الحرية في إيران تقترب من الشروق على أنقاض الحرس الإرهابي.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني




