الأخطبوط العسكري لنظام ولاية الفقيه!


نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
فلسفة الوجود واستراتيجية البقاء
تكشف الوثائق الميدانية والتحقيقات الاستراتيجية العميقة أن “قوات حرس نظام الملالي” ليست مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية تهدف لحماية حدود جغرافية، بل هي العمود الفقري لديكتاتورية فاشية ثيوقراطية تعتمد على “تصدير الأزمات” و”صناعة الإرهاب” كاستراتيجية بقاء حتمية ولا غنى عنها. إن القراءة المتأنية للتدخلات المنهجية لهذا الجهاز في شؤون 14 دولة مسلمة في المنطقة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن زعزعة الأمن الإقليمي والدولي هي “وظيفة بنيوية” متجذرة في دستور هذا النظام، تهدف في جوهرها إلى حماية قلب نظام ولاية الفقيه من السقوط الداخلي الوشيك أمام الضربات المتلاحقة التي يوجهها “الشباب الثوار” في شوارع المدن الإيرانية. إن الحرس الثوري يرى في نشر الفوضى خارج الحدود وسيلة لإشغال المجتمع الدولي وتأخير استحقاق التغيير الديمقراطي في الداخل.
السيطرة على مفاصل الدولة والدبلوماسية الخفية
لقد أدت سيطرة الحرس الثوري المطلقة على مفاصل السياسة الخارجية الإيرانية إلى تحويل وزارة الخارجية، في كثير من الأحيان، إلى مجرد واجهة مدنية لتنفيذ أجندات العسكر؛ حيث تُدار السفارات الإيرانية في دول “المحور” (العراق، سوريا، لبنان، اليمن، وأفغانستان) من قبل قادة عسكريين يرتدون البدلات الدبلوماسية. ويبرز اسم العميد “إيرج مسجدي”، سفير النظام السابق في العراق، كنموذج صارخ لهذه الازدواجية؛ إذ كان يدير العمليات الإرهابية والميليشياوية تحت غطاء الحصانة الدبلوماسية، مما حوّل السفارة إلى غرفة عمليات تابعة للحرس الثوري.
آلة تفريخ الإرهاب العالمي
يدير فيلق القدس شبكة لوجستية هائلة ومعقدة من مراكز التدريب المنتشرة في عمق الأراضي الإيرانية. من “معسكر الإمام علي” في طهران، الذي يعتبر المركز الرئيسي لإعداد الكوادر القيادية للميليشيات، وصولاً إلى معسكرات التدريب المتخصصة في “سمنان” و”آمل”. في هذه المواقع، يتم تدريب المرتزقة الأجانب المستقطبين من مختلف الجنسيات على فنون الاغتيال، زراعة العبوات الناسفة، تقنيات التفجير عن بُعد، وحرب العصابات المدنية، ليتم إعادة تصديرهم لاحقاً إلى بلدانهم كخلايا نائمة أو جيوش نظامية موازية.
لبنان.. “حزب الله” كذراع تنفيذية كبرى
يُعتبر “حزب الله” اللبناني الأداة الأكثر طواعية واحترافية بيد الولي الفقيه. هذا التنظيم ليس مجرد حليف، بل هو جزء عضوي من هيكلية الحرس الثوري، يتم تمويله وتسليحه بالكامل من أموال الشعب الإيراني المنهوبة. يتتبع التقرير سجل الحزب الحافل بالإرهاب، بدءاً من تفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983، وصولاً إلى عمليات اختطاف الرهائن الأجانب والاغتيالات السياسية، مما جعله النموذج الذي يسعى الحرس الثوري لتكراره في كل دولة عربية.
اليمن واستراتيجية خنق المضايق
استخدم الحرس الثوري ميليشيا “أنصار الله” (الحوثيين) كأداة متقدمة لتهديد أمن الخليج العربي والملاحة الدولية. بدأت عمليات التدريب العقائدي والعسكري في مدينة “قم” منذ تسعينات القرن الماضي، لتتطور اليوم إلى دعم تقني وعسكري كامل. تحول اليمن تحت إشراف خبراء الحرس الثوري إلى منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المصنعة أو المجمعة في ورش الحرس الثوري (مثل صاروخ “بركان-1”). إن الهدف من دعم الحوثيين هو خلق “كماشة” استراتيجية تطوق شبه الجزيرة العربية وتمنح طهران ورقة ضغط دولية في البحر الأحمر.
التحول النوعي في الموقف الدولي: قائمة الإرهاب الأوروبية
في تطور استراتيجي وتاريخي بالغ الأهمية، يشير التقرير إلى الخطوة الجوهرية التي اتخذها “الاتحاد الأوروبي”؛ إذ إنّ الإجماع الواسع للنواب في البرلمان الأوروبي قد مهّد الطريق أمام مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لاتخاذ قرار تاريخي يوم الخميس، ٢٩ يناير2026، وبالإجماع أيضاً، بإدراج الحرس الثوري الإيراني رسمياً كقوة عسكرية إرهابية في قائمة الإرهاب، مما يمثل نقطة تحول كبرى في التعامل الدولي مع النظام.
أهمية هذا الإجراء: هذا القرار ليس مجرد إجراء رمزي، بل هو اعتراف دولي رسمي بأن الحرس الثوري هو المحرك الرئيسي للإرهاب العالمي. إن إدراج الحرس الثوري في قائمة الإرهاب الأوروبية يعني تجفيف منابع تمويله في القارة العجوز، ملاحقة قادته قضائياً أمام المحاكم الدولية، وشل حركته المالية والدبلوماسية.
التداعيات: هذا الضغط الدولي يضيق الخناق على النظام ويجرده من أدوات المناورة، مما يضعف قدرته على قمع الاحتجاجات في الداخل أو تمويل الميليشيات في الخارج. إنه اعتراف صريح بأن هذا الجهاز هو “منظمة إرهابية” وليس جيشاً وطنياً، مما يفتح الباب أمام مزيد من العزلة الدولية الشاملة.
التوصيات الاستراتيجية للمجتمع الدولي
إنّ الحرس الثوري الإيراني هو “المحرّك الرئيسي” و”الراعي الأول” لحالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط؛ إذ إنه المسؤول المباشر عن خلق الفراغات الأمنية التي سمحت بظهور القوى المتطرفة كـ “داعش” وغيرها، لاستخدامها “فزاعةً” يبرّر بها تدخلاته السافرة.
وبطبيعة الحال، فإن الحل الجذري والنهائي لاقتلاع هذا السرطان لا يكمن في سياسات المهادنة أو الاتفاقات الهشة، بل في دعم الحراك الشعبي العارم الذي يقوده “الشباب الثوار – وحدات الانفتاضة” داخل إيران. هؤلاء هم القوة الحقيقية الميدانية الوحيدة القادرة على اجتثاث هذا النظام من جذوره، وتخليص المنطقة والعالم من آلة الحرب والدمار التي يمثلها الحرس الثوري، تمهيداً لبناء إيران ديمقراطية تحترم حسن الجوار والقانون الدولي. إن انتصار “الشباب الثوار – وحدات الانتفاضة” في طهران هو الضمانة الوحيدة لتحقيق سلام مستدام في الشرق الأوسط.




