تحت المجهر

القرار الاتهامي يكشف محاولة المنظومة الفاسدة تضليل الرأي العام

بقلم تادي عواد
في لبنان، يتحوّل أي ملف إصلاحي مالي إلى عملية إجهاض ممنهجة، حيث تعمل منظومة الفساد الحاكمة على تقديم ضحية لتحميلها وحدها مسؤولية فسادها. نموذج ذلك ما حدث مع الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، الذي رُوّج له كعنوان لـ”هدر أموال المودعين”، لكن القرار الاتهامي الأخير قلب هذه الرواية رأسًا على عقب.

الهيئة الاتهامية في بيروت أوضحت بجلاء أنّ الأموال الموجودة في “حساب الاستشارات” ليست أموالًا عامة أو جزءًا من الخزينة، بل هي أموال خاصة تعود لمصارف ومؤسسات مالية أودعتها ضمن حساب مستقل داخل مصرف لبنان.

هنا يظهر التناقض بين التكييف القانوني والخطاب الإعلامي والسياسي المصاحب للقضية
الواقع القانوني: نص القانون يحدد أن أموال “حساب الاستشارات” ملك خاص للمصارف والمؤسسات المالية، ولا تدخل ضمن المال العام.
التشويه الإعلامي والسياسي: تصوير استعادتها كأنها دعم لميزانية الدولة أو “أموال المودعين” هو تضليل متعمد، يهدف لامتصاص الغضب الشعبي وتوجيه الرأي العام بعيدًا عن جوهر الأزمة

من الناحية القانونية، المدعي الأصلي يجب أن يكون صاحب الحق المتضرر، أي المصارف نفسها، وليس مصرف لبنان. أما استخدام المادة 638 من قانون العقوبات، التي تعالج الاستيلاء على الأموال العامة، فهو مجرد تشبيه قانوني لا يحوّل المال الخاص إلى عام.

الفرق شاسع بين الواقع والوهم الإعلامي:
الواقع: الأموال هي عمولات ومبالغ مقتطعة من عمليات مصرفية بين المركزي والمصارف.
الوهم الإعلامي: تصوير استعادتها كأنها “ودائع المواطنين المحجوزة” هو تضليل؛ حتى لو استردت، ستعود أولاً إلى ميزانيات المصارف الخاصة، وليس مباشرة إلى جيوب المودعين الصغار.

أما المسؤولية المعنوية والقانونية لحاكم مصرف لبنان فتظل محور النقاش، لكن ما نراه اليوم هو “هندسة قضائية” لتشتيت الرأي العام وإبعاد الضوء عن جوهر الفساد المالي. هذا الأسلوب هو استمرار لممارسات الهروب من المسؤولية التي اعتمدها عهد الرئيس السابق ميشال عون لحماية منظومة الفساد العميقة.

في المحصلة، ما حدث يؤكد أن هناك فجوة متعمدة بين “المال الخاص” في عهدة موظف عمومي وبين البروباغندا الإعلامية التي تصوره “إنجازًا وطنيًا”. هذا التضارب ليس خطأً تقنيًا، بل استراتيجية قانونية لتوزيع المسؤولية بين القطاع الخاص والعام.
نتيجة هذه التلاعبات، يظل لبنان في موقف هش أمام FATF والمنظمات الدولية، ويزيد تضارب الروايات بين “أموال خاصة” و”أموال عامة” من ضبابية المشهد المالي، ويهدد بإدراج البلاد في القوائم الرمادية أو السوداء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى