اخبار العالم

إيران.. انتفاضة الشعب على أعتاب النصر

آخر حيل الديكتاتورية في عشية السقوط

بقلم عبدالرحمن کورکی (مهابادي)

عشية التحولات المصيرية في إيران، ظهرت علامات انهيار نظام ولاية الفقيه بشكل أوضح من أي وقت مضى. لقد اجتاحت موجة جديدة من الانتفاضات الشعبية مختلف المدن والشرائح الاجتماعية، متحديةً هيكل السلطة المتهالك. وفي مثل هذه الظروف، يثير التنشيط المفاجئ للعناصر التابعة للديكتاتورية السابقة (البلهوية) تساؤلات وشكوكاً جادة. هذه التحركات ليست ظاهرة عفوية، بل هي جزء من آخر حيل نظام آيل للزوال وحماته الخارجيين لحرف مسار ثورة الشعب الإيراني.

يسعى نظام ولاية الفقيه، من خلال إقحام هذه العناصر، إلى إخراج الانتفاضة الشعبية عن مسارها الأصلي ودفعها نحو صراع داخلي أو ثنائية زائفة بين “الماضي والحاضر”. الهدف الأساسي هو خلق حالة من الارتباك، وإحداث شرخ في صفوف الشعب، ومنع السقوط الحتمي في نهاية المطاف. لكن التجربة التاريخية أثبتت أن مثل هذه العروض، مهما كانت صاخبة، لا يمكنها كسر إرادة شعب اختبر عقوداً من القمع والخداع والعنف. إن الشعب الإيراني اليوم أكثر وعياً من أن ينخدع بهذه الألعاب المتكررة.

الوجه المشترك للديكتاتوريتين: الحفاظ على الاستبداد

الديكتاتورية الدينية الحاكمة وبقايا الديكتاتورية الملكية، رغم الاختلافات الظاهرية، يشتركان في نقطة أساسية واحدة: الحفاظ على الاستبداد بأي شكل ممكن. يدرك النظام الحالي أن السبيل الوحيد لبقائه هو حرف الانتفاضة واستنزاف القوى الثورية للشعب. ومن جهة أخرى، تحاول العناصر التابعة للنظام السابق، عبر لعب أدوار دعائية وهامشية، الهروب من المحاسبة التاريخية والمسؤولية عن جرائم الماضي.

لكن العودة إلى الماضي ليست ممكنة ولا مرغوبة. فكما أن الديكتاتورية الدينية محكومة بالسقوط، فإن ديكتاتورية الشاه لا مكان لها في مستقبل إيران. كلاهما سيوضعان في مزبلة التاريخ، ولن تشمل العدالة مرتكبي القمع اليوم فحسب، بل ستطال العناصر الداخلية لكلا النظامين الاستبداديين. هذه العدالة هي مطلب متجذر في الضمير الجمعي للشعب الإيراني.

التجربة التاريخية ودور وحدات المقاومة

لقد دفع الشعب الإيراني في القرن الأخير ثمناً باهظاً من أجل الحرية. إن تجربة ديكتاتوريتين ـ إحداهما تابعة للاستعمار والأخرى قمعية تحت غطاء أيديولوجي وإسلامي ـ قد شكلت الذاكرة التاريخية للمجتمع. لقد كانت الانتفاضات الماضية، ولا سيما انتفاضة عام ۲۰۲۲، نقطة تحول في هذا المسار. وفي تلك المرحلة أيضاً، حاول النظام من خلال خلق الانحرافات وإثارة الانقسامات المصطنعة، إيصال حركة الشعب إلى طريق مسدود، لكنه لم ينجح.

اليوم، العنصر الحاسم في استمرار وتعميق الانتفاضة هو اعتماد الشعب على المقاومة المنظمة، ولا سيما وحدات المقاومة. هذه الوحدات، باعتبارها خلايا صغيرة ولكنها مؤثرة في المقاومة، تنشط في الأحياء والمدن؛ فهي تنظم الاحتجاجات، وتكسر حاجز الخوف، وتضع النظام في موقف دفاعي. إن أفعالهم الإبداعية، وشعاراتهم المناهضة للديكتاتورية، وحضورهم المستمر، تظهر أن الانتفاضة قد تجاوزت مرحلة الاحتجاجات المتفرقة ودخلت مرحلة أكثر وعياً.

وهي معركة حتى النصر

صرح محسني إيجئي، رئيس سلطة قضائية النظام، مؤخراً: «أقول للمحاكم والنيابات العامة إن الوقت الحالي ليس وقت الرأفة مع من ينزلون إلى الشوارع ومن يوجهونهم». كما قال الحرسي رادان، القائد العام للشرطة: «موضوع الاحتجاج يختلف عن الشغب. سنقف إلى جانب السلطة القضائية ونتصدى للمشغبين بحزم وجدية حتى آخر نفر». (وكالة أنباء ميزان، ۷ يناير ۲۰۲۶). هدف النظام واضح: قمع الانتفاضة! ولكن في المقابل، يقف الشباب الثوار في المجتمع الإيراني بوجه تهديدات النظام قائلين: «سنقاتل حتى ننتصر، وسنحارب حتى آخر نفر وآخر يوم». ومن الأفضل لنظام ولاية الفقيه أن يتعظ من مصير الشاه ولا ينسى أن بركان غضب الشعب في الانتظار.

مسار المستقبل: الجمهورية الديمقراطية

إن الانتفاضة الحالية هي نتاج تراكم الخبرة والوعي الاجتماعي، وتختلف نوعياً عن الانتفاضات السابقة. لم يعد الشعب يرضى بالمساومة مع الرجعية، ولا بإعادة إنتاج التبعية. الهدف واضح: القضاء على الديكتاتورية بكل أجنحتها وعصاباتها وحيلها، واستعادة إيران لشعبها. أفق هذا النضال هو إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على حرية التعبير، والانتخابات الحرة، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة في الحقوق للمرأة والأقليات والقوميات المضطهدة، وإنهاء الفساد والقمع.

في هذا المسار، لعبت قوى الحرية والمقاومة المنظمة، بما في ذلك المجلس الوطني للمقاومة، دوراً مهماً في التقارب الوطني من خلال تقديم برامج ورؤى واضحة. تقدم هذه البرامج صورة ملموسة لإيران المستقبل، يمكن أن تكون أساساً لاتحاد مختلف شرائح المجتمع.

التداعيات الإقليمية لسقوط الديكتاتورية

إن سقوط نظام ولاية الفقيه لن يكون مجرد تحول داخلي، بل سيكون له تأثير عميق على منطقة الشرق الأوسط بأكملها. لقد كان هذا النظام، ولعقود من الزمن، مصدراً لعدم الاستقرار والإرهاب والحروب بالوكالة في المنطقة. ومع انهياره، سيُفتح مسار جديد للأمن والاستقرار والتعايش السلمي، وستتحرر دول المنطقة من التدخلات والتوترات المفروضة عليها.

كما يجب التأكيد على أن دماء شهداء الشعب لم تذهب سدى؛ فهم مصدر إلهام لجيل يخطو بوعي وتنظيم وتضحية نحو مستقبل مشرق. إن انتصار مقاومة الشعب الإيراني لن يضمن حرية هذه الأرض فحسب، بل سيهز عروش الاستبداد في جميع أنحاء المنطقة، ويعيد إيران إلى مكانتها اللائقة التي تستحقها.

کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى