اخبار العالم

إيران عند مفترق اللاعودة: قراءة تحليلية في مسار الاحتجاجات وسيناريوهات التفكك المحتملة

بقلم تادي عواد

تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المرحلة الراهنة واحدة من أخطر الموجات الاحتجاجية منذ تأسيسها عام 1979. ما يميّز هذه الموجة ليس فقط اتساعها الجغرافي أو حدّتها، بل دخولها طورًا جديدًا يتجاوز الاحتجاج الاجتماعي أو الاقتصادي، ليمسّ البنية القومية والسياسية للدولة الإيرانية ذاتها. ويذهب عدد متزايد من الباحثين إلى اعتبار أن هذه التطورات قد أوصلت النظام إلى ما يمكن تسميته بـ«نقطة اللاعودة».

أولًا: التحول النوعي في طبيعة الاحتجاجات
على عكس موجات سابقة تمركزت في المدن الكبرى ذات الغالبية الفارسية، تتميز الاحتجاجات الحالية بمشاركة واسعة من القوميات غير الفارسية، وعلى رأسها الأتراك الأذريون، الذين يشكّلون نحو 25% من سكان إيران، وهم القومية الثانية بعد الفرس من حيث العدد والتأثير الجغرافي والاقتصادي.
دخول الأذريين على خط الاحتجاجات يمثّل تحوّلًا مفصليًا لثلاثة أسباب رئيسية:
الوزن الديمغرافي الكبير الذي يجعل من أي حراك أذري عامل ترجيح وطني لا يمكن عزله أو احتواؤه محليًا.
الانتشار الجغرافي الحساس في الشمال الغربي، قرب حدود أذربيجان وتركيا، بما يفتح المجال أمام امتدادات إقليمية.
القطيعة النفسية مع خطاب “الدولة الإسلامية الجامعة” الذي طالما استخدمه النظام لطمس التمايزات القومية.
هذا التحول ينقل الاحتجاج من صراع بين الدولة والمجتمع إلى أزمة بنيوية في تعريف الدولة نفسها.

ثانيًا: تآكل أدوات السيطرة التقليدية
اعتمد نظام الملالي تاريخيًا على ثلاث ركائز لضبط الداخل:
القمع الأمني،
التعبئة الأيديولوجية،
وتفتيت الاحتجاجات عبر العزل القومي والمناطقي.
إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تراجع فعالية هذه الأدوات:
القمع لم يعد رادعًا في ظل التوسع الأفقي للاحتجاجات.
الخطاب الديني فقد قدرته التعبوية، خصوصًا لدى الأجيال الشابة والقوميات غير الفارسية.
أما سياسة التفتيت، فتواجه لأول مرة حراكًا متعدد القوميات يشترك في رفض المركزية الفارسية – الدينية.

ثالثًا: سيناريو التفكك القومي
في حال سقوط نظام الملالي أو فقدانه السيطرة المركزية، تشير تقديرات متداولة في عدد من مراكز الدراسات الدولية إلى احتمال إعادة تشكّل الجغرافيا السياسية الإيرانية على أسس قومية، وفق السيناريو التالي:

دولة فارسية مركزية
تشمل طهران، أصفهان، شيراز، والمناطق ذات الغالبية الفارسية، وتمثل الامتداد الطبيعي للدولة الإيرانية التاريخية بعد انحسارها.

كيان أذري في الشمال الغربي
يرتكز على المحافظات الأذرية، مع احتمالات تفاعل سياسي واقتصادي وثيق مع جمهورية أذربيجان.

كيان كردي في الغرب
متصل جغرافيًا بالامتداد الكردي الإقليمي، ويستند إلى تاريخ طويل من الصراع مع السلطة المركزية.

كيان بلوشي في الجنوب الشرقي
يقوم في مناطق مهمّشة تاريخيًا، ويُرجّح أن يكون أكثر هشاشة لكنه الأكثر تحررًا من المركز.
هذا السيناريو لا يعني بالضرورة تفككًا فوريًا، لكنه يعكس اتجاهًا بنيويًا في حال غياب تسوية سياسية شاملة تعيد تعريف الدولة على أسس جديدة.

خاتمة
تقف إيران اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة، حيث تلتقي الأزمة السياسية مع التصدع القومي وفشل النموذج الأيديولوجي في آن واحد. مشاركة الأذريين وسواهم من القوميات في الاحتجاجات لا تعبّر فقط عن رفض النظام، بل عن رفض شكل الدولة الذي فرضه منذ أكثر من أربعة عقود.
الأيام المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط لمصير نظام الملالي، بل لمستقبل الكيان الإيراني كدولة موحّدة. وفي غياب إصلاح جذري وعميق، يبقى سيناريو التفكك أحد الاحتمالات الجدية التي لم تعد حكرًا على التحليل النظري، بل دخلت دائرة النقاش الواقعي في مراكز القرار والدراسة الدولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى