الرئيسية / Uncategorized / الحريري في 2017: من المملكة إلى العمة

الحريري في 2017: من المملكة إلى العمة

سريعة كانت التحوّلات في المسيرة السياسية للرئيس سعد الحريري. مثّل عام 2017 أبرز تجلياتها. لم يعد رئيس تيار المستقبل، هو نفسه في حقبة ما بين 2005 و2011. خطّ في سجلّه تناقضات كثيرة وكبيرة. لكنه ينظر إلى نفسه نظرة الرجل السياسي المبادر، فهو يؤمن بأن “السياسي لا يكون قائداً فعلياً، ما لم يصنع المبادرات ويحقق التغيرات”. والحريري حقق تغيرات وصلت إلى مصاف التحولات الكبرى في خطّه السياسي، والوضع العام في البلد.

ثلاثة مفاصل سياسية غيّرت مسار الحريري: دخوله ميدان السياسة وارثاً عباءة الشارع ودم والده؛ بعد السابع من أيار وتشكيله أول حكومة وصولاً إلى إقالته؛ والتسوية الرئاسية التي أبرمها مع الرئيس ميشال عون وتولى فيها رئاسة الحكومة للمرّة الثانية. سنة ونيف على خيار الحريري الاستراتيجي الكبير، حفلت سنة العهد الأولى بكثير من المحطات بحياة الرجل وتجربته، صولات وجولات منها ما هو سلبي ومنها ما هو إيجابي. كان الحريري يعيش بين منزلتين: براغماتيته وثوابته- جمهوره. عقله مع الأولى وقلبه مع الثانية. وحاول كثيراً المواءمة بينهما.

لم يكن خيار الحريري التسووي مقبولاً لدى جمهوره، لكنه كان يعتبر أن لا خيار أمامه. الابتعاد عن لبنان والسلطة فيه خسارة فادحة. والعودة إليه تقتصر تنازلات كبيرة. اختار الثانية. وفي عينيه أمل لتعويض أي خسارة قد تراكمها التنازلات. وجّهت إليه انتقادات لاذعة، من أقرب المقربين إليه، منهم من ابتعد ومنهم من انقلب. بين لحظة التسوية وتوليه رئاسة الحكومة، وتقديم استقالته مجبراً من الرياض، مفترق خطير عبره الحريري. لم يتغيّر بعده، بل استطاع تجاوزه بحنكة وامساك العصا من الوسط.

كادت استقالة الحريري أن تحيله إلى التقاعد السياسي المبكر، أو دخوله في مرحلة منفى “قسري وطوعي” في آن، بانتظار تحولات كبرى تعيده إلى الساحة السياسية. ثمة من أراد نحره، بإثارة طموح شقيقه بهاء، لكن التجربة وتفاصيلها أثبتت أن الحريري حاجة وضرورة، ربما لخصومه أكثر من حلفائه. أعادت أزمة استقالته بعض شعبيته المسلوبة، ومنحته منعة سياسية في الداخل، وأماناً وفّره له خصومه. سيستند إلى تجربة شهر الاستقالة، لتعزيز حضوره وشعبيته تمهيداً للانتخابات المقبلة.

بعد القطوع، غدا الحريري أكثر حزماً، أراد الإمساك بكامل تفاصيل تياره وكتلته. تراجع دور مقرّبين، وتعزز دور آخرين، لكن الآراء لا تزال منقسمة في تقديراته. علماً أن المعارضين للتسوية، يجمعون على ما يمثله الحريري من ضمانة محلية ودولية. لا يمكنهم إلا وصفه بالبراغماتي، وبعض المغالين يعتبرون أن براغماتيته تصل إلى حدود الماركنتيلية. يضعون ذلك في خانة ضيق الحلقة المحيطة به، والصلاحيات الواسعة والدور الذي يلعبه مدير مكتبه، نادر الحريري. وفيما تختلف التقديرات والآراء حول نادر الحريري، إلا أنه أثبت مقدرة على الإلمام بتفاصيل كثيرة، إذ حصرت بيده ملفات أساسية، من قانون الانتخاب إلى التعيينات، وصولاً إلى ملفات أساسية من نفط وكهرباء واتصالات. هذا الواقع يفرض على سعد ونادر الإمساك بأكبر قدر من الخيوط داخل التيار.

بعض المبعدين عن الأضواء يقرّون بأن التسوية ضرورية. فيها واقعية، وكان لا بد منها، لكن الاعتراضات على أداء الحريري فيها، تستند إلى طرحه كل أوراقه على الطاولة، وعدم التمسّك بمواقف تعتبر ثوابته. هناك دور كبير لرئيس مجلس الوزراء، لا يظهر في أداء الحريري، ليظهر وكأنه يتخلى عن صلاحياته، أو يضرّ برمزية الموقع الذي يمثله. لكن الأكيد أنه يفضّل الثنائية عبر التنسيق مع رئيس الجمهورية ميشال عون على استخدام صلاحياته الكاملة، كي لا يصطدم به، وكي لا تتكرر معه تجربة والده في عهد اميل لحود.

اتخذ الحريري خياراً واضحاً. لا يريد المواجهة أو لا يستطيعها. عُرفت التسوية من أين بدأت، لكن لا أحد قادراً على استشراف أين ستنتهي. وستكون عامل تعزيز الحريرية السياسية مجدداً، ليس عبر دور نادر أو أحمد الحريري في الأمانة العامة للتيار، بل بالعودة إلى إرشادات النائب بهية الحريري، التي يعتبر رئيس الحكومة أنها تمثّل وجدان والده.

لم تكن بهية الحريري لتلعب دوراً سياسياً بهذا الحجم، بعدما كانت اهتماماتها تنحصر في صيدا وجوارها. تحوّلت شقيقة الشهيد إلى دينامو الحركة السياسية. كانت أول من آمن بخيار سعد التسووي. شجّعته عليه. منحته الغطاء. وراكمت جهدها العلني لحظة إعلانه الاستقالة من الرياض، فاتسع غطاؤها ليشمل بعبدا. وكل خطوة اتخذها رئيس الجمهورية. تحوّلت إلى لولب الحركة في كتلة المستقبل. ولغتها كانت واضحة في البيان الشهير الذي صدر واعتبر أنه موجه إلى السعودية، إذ شدد على ضرورة عودة سعد قبل الحديث بأي مجال سياسي.

في خطابها الأول من نوعه في 14 آذار 2005، كان لبهية الحريري جملة مدوّية، لم يوافقها عليها كثيرون. في حينها قالت: “لن نقول وداعاً سوريا، بل سنقول إلى اللقاء”. يوم اندلعت الثورة السورية، تذكّر كثيرون هذه العبارة، وشبهوها بمقولة سمير قصير الشهيرة، بأن “ربيع العرب حين يزهر في بيروت إنما يعلن أوان الورد في دمشق”.قال البعض إن بهية الحريري تنبأت بما سيجري في سوريا، أو اعتبرت مبكراً أنه كما انتفض اللبنانيون على النظام السوري سيفعل السوريون. اليوم، بعد تقارب الحريري مع حزب الله، والتحالف مع التيار الوطني الحرّ، وفي ظل البحث عن فرص لإعادة الإعمار في سوريا، يعتبر بعض المتهكمين، أن اللقاء مع سوريا سيتجدد على هذا الأساس.

يخرج الحريري قوياً من أزمته، يعود من منفى لم يتمكّن من إبعاده، ويسعى إلى البقاء والتمدد. يراهن على ما سيقدمه من خدمات ووعود على رأس الحكومة، للحصول على أكثرية نيابية تكرّسه رئيساً مستقبلياً للحكومة. فيما المعارضون يعتبرون أنه إذا ما بقي في المسار نفسه، والذهاب إلى تحالف انتخابي مع التيار الوطني الحر، فإن النتيجة ستكون صعبة عليه، لكنه سيبقى مطمئناً إلى رئاسته للحكومة، مهما كان عدد نوابه.

منير الربيع – المدن

شاهد أيضاً

طهران والاغتيالات السياسية… ماكينة قتل إرهابية لا تتوقف

اعتقال عناصر إيرانية متورطة بالتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا وطرد دبلوماسيين إيرانيين من هولندا الأسبوع الماضي، …

أضف رد (التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها)

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات