الرئيسية / لبنان / غيثة والقزم (عمر سعيد)

غيثة والقزم (عمر سعيد)

لست أعلم إن كان هناك ارتباط فعلي بين طول الجسد ومساحة العقل وحجم الطموح ..
وربما كان الطموح رد فعل على ضآلة الحجم التي تشكل عقدة نقص عند الأقزام ، وبالتالي يتوجه القزم للبحث عن التوسع والنمو وبشتى الأثمان ، حتى لو كان الأمر عن طريق الإساءة للآخرين ، ودون مراعاة أية معايير أخلاقية .

في إحدى جولاتي الداخلية في دولة عربية أفضل القفز عن ذكر اسمها ، حطت بي الرحال عند عائلة لم أكن لأعرفها ، لولا تعطل السيارة التي كانت تقلني عبر تلك المقاطعة ، ولولا تلك الظروف لما طرقت باب هذه العائلة ، ولما كانت قد بدأت علاقتي بها ؛ والتي لا تزال مستمرة إلى اليوم ..
قضيت عند تلك العائلة التي اكرمتني ليلتين ، فقد كنت في ريف ناء ، بعد ان استهلك اصلاح السيارة المعطلة منا عدة أيام ..
وفي اليوم الثاني على اقامتي ، سألتني ابنة صاحب البيت أن ارافقها إلى صومعة تطل على القرية ، كنت قد استفسرت عن ماهيتها قبل ذلك .
انطلقنا في طريق استغرقت منا ساعتين وعشر دقائق حتى بلغناها ، أخبرتني خلالها رفيقتي غيثة ، ان في الصومعة قزم ، يعتقد الناس انه يطول في الليل وبشكل لا يصدقه العقل ، لدرجة انه يبلغ من الطول ما يمكنهم من مشاهدته من القرية !والقرى المجاورة ، وما إن تشرق الشمس حتى يعود إلى طوله الحقيقي والذي هو قرابة النصف متر ، ولكن ما من احد رآه يطول حقيقة في الليل .
واخبرتني ان له من القداسة ما يفوق قدرة العقل على التصديق ، وكلما ذكرت لها مقدسا قالت ازيد ، حتى سالتها إن كان يرقى إلى مرتبة قديس ، فأجابت : بل هو من مراتب الشهداء والصديقين ..
امتلكتني حالة من الذهول والاستغراب مما اقترب من لقائه ، فاي نوع من الشهداء الأحياء هذا ؟!
وطمأنتني إلى كوني سأرى بعيني ..
وصلنا الى مقربة من الصومعة ، فنادت غيثة :
يا سيدي الطاهر ؟! هل انت هنا ؟
فأتانا صوته الرقيق غير المميز أن : ان كان معك احد فادخلي لوحدك .
ولما بلغنا الباب ، استأذنت غيثة الطاهر لدخول الضيف الذي معها ، وبقائها تنتظر خارجا ..
فأذن لي ..
انحنيت و عبرت الباب ، الذي لا يتجاوز ارتفاعه المتر ، واغمضت عيني ، وفتحتهما مرات ؛ لاستوضح الرؤيا ، فإذ بي أمام كائن هزيل في منتهى الدمامة والقبح ، يرتدي ملابس, تبدو للناظر كانها ملابس طفل ، لم يتجاوز الشهر ، يعتم بعمامة برتقالية اللون ، طال شعره من تحت جناباتها ، وتلاقى مع شعر ذقنه القليل فوق خديه ، يتكيء بيده على عود ، لا يتجاوز العشرين سم ، كما لو انه يمسك بصولجان ..
وبادرني بقول : ما هي مشكلتك ؟!
فسألته ببلاهة غير متعمدة مني : وهل انت قادر على حل أية مشكلة ؟!
فتلمس تهكمي ، وسألني إن كنت غريبا عن البلاد ، فأكدت له ذلك ، فطلب من الأمان ، ليخبرني حقيقته ، فأعطيته له.
ولما كان المسكين بحاجة للبوح ، روى لي كيف حاول ان يكون شهيدا في الحرب ولكن الرصاص أخطأه الاف المرات ، وكيف كان يئز من فوق راسه دون ان يصيبه لقصره ، ثم أخبرني كيف حاول ان يتزعم الحي الذي كان يسكنه إلا ان الناس وضعوه في كيس خيش وربطوا عليه ، واتوا به من مدينتهم البعيدة إلى هذا الجبل، الذي لم يغادره منذ ذلك الوقت ، فاضطر إلى صنع خرافات عديدة حوله، لتجعل الناس يلجأون إليه جالبين معهم الطعام وبعض الملابس والمال ، ليتمكن من العيش في هذه الصومعة المعزولة ..
فسألته عن سر طوله ليلا ، فأخبرني انه قد صنع لنفسه سيقانا خشبية ، يقوم بتوصيل بعضها البعض ، و يحمل بيده مشعلا ، ثم يرتقيها ، ليقف فوقها ، ويمشي بها حول صومعته ، الامر الذي يمكن القرى المجاورة من رؤيته ، وبهذا اقنع الناس بخدعة أنه يطول ليلا ..
سألته إن كان بامكاني ان اساعده بشيء ، فسألني عن بلدي، فأخبرته أني من لبنان ، فاغتاظ ، واسود وجهه ، وقال بحزن : “إن في بلدكم قزما أشد مني خداعا فاحذروه ! ”
غادرت الصومعة وبقيت طوال طريق العودة صامتا ، وغيثة تسألني عما رأيت و سمعت وما جرى ، فلم أنطق بكلمة، وتركتها إلى عالم تخميناتها ، خاصة وأني تأكدت أنها لم تكن قد دخلت تلك الصومعة من قبل ، ورحت أفكر في أمر قزمنا ذي الكلسون النتن الذي يحلم ان يسود البلاد ، ويختزل تاريخ الشهود فيها !
عمر سعيد

ملاحظة : استعارة الكلسون من كانديرا .. حيث يرمز عنده للتاريخ .

شاهد أيضاً

إسألوا جرود عيون السيمان

الى الذي غاب عنه التاريخ لعله يجد ضالته في مقالتي ايجاباً او تحذيراً عليه ان …

أضف رد (التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها)

%d مدونون معجبون بهذه: