2018/04/25
الرئيسية / قضايا الارهاب / صحيفة “نيويورك تايمز” تنشر للمرة الأولى معلومات عن دور مغنية في اغتيال الحريري

صحيفة “نيويورك تايمز” تنشر للمرة الأولى معلومات عن دور مغنية في اغتيال الحريري

كتب المحلل العسكري رونن بيرغمان في صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً تناول فيه عملية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق الرئيس رفيق الحريري ذكر فيه معلومات دقيقة ومفصلة تنشر للمرة الأولى، عن المراحل التي سبقت عملية الإغتيال والتحضيرات لها.

يبدأ المحلل مقاله بوصفه أحمد أبوعدس، الشاب الذي شغل الرأي العام والإعلام لمدة طويلة، بصفته الانتحاري الذي نفذ عملية الاغتيال، لينتقل بعدها إلى عمل المحققين الدولي والمحكمة، حيث يظهر مدى الاحتراف الذي يتمتع به الذين عملوا ويعملون في هذه القضية.

يعود المحلل في سرده للأحداث إلى بداية الحرب اللبنانية والاحتلال السوري للبنان والقمع الذي مارسه بحق كل من حاول مقاومته، ويروي لقاءات الحريري المتوترة مع الرئيس السوري والتهديدات التي تلقاها قبل اغتياله، ثم تفاصيل يوم الاغتيال دقيقة بدقيقة. كما يلقي الضوء على الغزو الإسرائيلي للبنان وظروف إنشاء “حزب الله”، وبروز عماد مغنية في الحزب.

الملفت في المقال، الدور الريادي والحاسم الذي لعبه النقيب الشهيد وسام عيد في استخلاص بيانات الهواتف المحمولة لمنفذي عملية الاغتيال وتتبع المكالمات الهاتفية قبل وأثناء عملية الاغتيال، ما أدى إلى كشف معلومات خطيرة دفعت بالمتضررين إلى اغتياله.

في العام 2005، كان أحمد أبو عدس في الثانية والعشرين من عمره لا يزال يعيش مع والديه في بيروت، لبنان. لقد كان طيبا ويحب الناس، وقال أصدقاؤه في وقت لاحق للمحققين، إنه كان بسيطاً، كريماً وساذجاً قليلاً. كان جسديا ضعيفاً جداً. مسلم سني من أصل فلسطيني، اهتم في الفترة الأخيرة بالدين وأصبح يقضي ساعات طويلة في مسجد الجامعة العربية بالقرب من منزله.

ذات يوم، اقترب منه رجل بعد إداء الصلاة، ادعى أن اسمه محمد، وهو رجل مسلم توفي والداه عندما كان صغيراً، ونشأ وترعرع في دار أيتام مسيحي. لكنه يرغب اليوم في العودة إلى الإسلام، وتعلم كيفية الصلاة، والزواج من امرأة مسلمة. وطلب من أبو عدس مساعدته على تحقيق ذلك.

فى 15 كانون الثاني من العام 2005، اتصل محمد بأبو عدس، وأخبره أنه يحمل إليه مفاجأة. في صباح اليوم التالي، توقفت سيارة أمام منزل أبو عدس، وصعد فيها. قال لوالديه إنه سوف يعود بعد قليل لمساعدتهم على تنظيف السجاد، كما وعد. خرج أحمد من المنزل ولم يأخذ أياً من أغراضه. في اليوم التالي، اتصل محمد بعائلة أبو عدس وأخبرهم أنه ذاهب إلى العراق للانضمام إلى المقاتلين السنة هناك، وقد لا يراهم مجدداً.

تجري اليوم محاكمة خمسة عناصر من “حزب الله” غيابياً بتهمة تنفيذ الهجوم في العام 2005. المتهمون: حسين حسن عنيسي، سليم جميل عياش، أسد حسن صبرا، حسن حبيب مرعي ومصطفى أمين بدر الدين.

بعد أربعة أسابيع، في 14 شباط 2005، عند الساعة 12:55 ظهراً، دوى انفجار أمام فندق السان جورج هز وسط بيروت. دمر الانفجار قافلة من السيارات تقل إحداها رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، ما أدى إلى استشهاده مع ثمانية من مرافقيه و13 شخصاً مدنياً من المارة.

بعد وقوع الانفجار بفترة قصيرة، اتصل شخص مجهول ادعى أنه يتحدث باسم تنظيم “النصرة والجهاد في بلاد الشام”، وأبلغ مراسل “قناة الجزيرة” في بيروت بوجود شريط فيديو وضعه الانتحاري على شجرة في ساحة رياض الصلح، على بعد بضعة أبنية من مكان الانفجار، وإن لم يتم أخذه في غضون 15 دقيقة، فإنه سوف يختفي. وجد فني “الجزيرة” الشريط، لكن القناة تريثت في بث محتوياته حتى الساعة الخامسة من بعد الظهر بعد اتصال تهديد من الشخص المجهول نفسه.

في التسجيل، بدا أحمد أبو عدس شاحباً، هزيلاً وملتحياً، وهو يقرأ ورقة مرتدياً ملابس رياضية سوداء وعمامة بيضاء. “بسم الله، وللانتقام من الشهداء الأبرياء الذين قتلوا على يد قوات أمن النظام السعودي الكافر، أقسمت جماعته على إنزال العقاب العادل على وكيل ذلك النظام وأداته الرخيصة في بلاد الشام، الخاطئ، وصاحب المكاسب غير المشروعة، رفيق الحريري”. وقد أرفق التنظيم المجهول رسالة بالشريط أوضحت فيها أن الحريري، وهو مسلم سني، كان يجب أن يموت لأنه خان زملاءه السنة، وأن أبو عدس، وهو أيضا مسلم سني، هو الانتحاري الذي قتله. أصاب الاعتراف عائلة أبو عدس بالذعر، فهم لم يصدقوا الرواية.

أرسلت الأمم المتحدة فريقاً من الخبراء للمساعدة في التحقيق، وبدأ المحللون في الطب الشرعي من هولندا إعادة تجميع ما تبقى من هيكل شاحنة الميتسوبيشي كانتر التي كان يقودها الانتحاري. تمكنوا من إخراج رقم الهيكل D33-J01926، واستخلاص أن الشاحنة سرقت في اليابان، وتم شحنها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حيث اشتراها، قبل الهجوم، تاجر سيارات مستعملة في طرابلس، لبنان، معقل الحركات الإسلامية السنية، التي يقيم بعضها علاقة مع تنظيم “القاعدة”.

عند استجوابه من قبل محققي الأمم المتحدة في طرابلس، أوضح التاجر أن رجلين جاءا إلى متجره، وبعد مناقشة حول السعر، قدموا أسماء وأرقام هواتف وهمية لإنهاء المعاملات الرسمية. لم يكن من قبيل الصدفة أنهما اختارا معرضاً للسيارات لا يضع كاميرات مراقبة، فبدا الأمر واضحاً جداً: إنه تفجير آخر ينفذه الجهاديون السنّة.

لكن ظلت الشكوك تساور المحققين ليس فقط بشأن التصرف الغريب الذي قام به الرجل اللطيف أحمد أبو عدس والذي تمثل بقراره الفجائي بارتكاب مجزرة جماعية. فالخبراء الذين فحصوا اعترافه المسجّل لاحظوا أن النبرة والإنتاج اللذان ظهرا في الشريط لا يتطابقان مع تسجيلات الجماعات الجهادية السنيّة. كما عثر الباحثون على تناقضات خفية، أيضا، بين الشريط والرسالة، كما لو أن أحدهم خشى ألا يكون الشريط الذي تم تسجيله قبل فترة طويلة ربما من وقوع حادثة الاغتيال، وأراد أن يدعم الرواية. ثم هناك مسألة الوسائل. من الواضح أن سائق شاحنة الميتسوبيشي كان ماهرا. فقد وصل إلى موكب الحريري بدقة متناهية على الرغم من حركة المرور الكثيفة في وسط بيروت. في حين يؤكد أصدقاء أبو عدس، كما عائلته، أنه لم يقد سيارة في حياته. فهو لم يعرف حتى أن يركب دراجة.

أخيراً، كانت هناك مشكلة أدلة الحمض النووي. جمع خبراء الطب الشرعي مئات الأجزاء من الأجساد في الموقع، وجرى تحديد أكثرها بأنها تعود إلى الحريري، ومرافقيه والضحايا الأخرى المعروفة. توافقت أكثر من 100 عينة وراثيا مع بعضها البعض، ولكن ليس مع الضحايا التي تم تحديدها. أظهر النمط المبعثر لتلك الأجزاء أنها تعود إلى الشخص الأكثر قرباً من الانفجار. كان ذلك الانتحاري. قارن المحققون هذا الحمض النووي للمادة الوراثية المأخوذة من فرشاة أسنان ابو عدس. وكانت النتائج لا لبس فيها: لم يكن أبو عدس هو الانتحاري.

دعا فريق الأمم المتحدة مزيداً من الخبراء والمتخصصين الجينيين الذي أخضعوا الرفات لتحليل النظائر – وهي عملية يمكنها أن تحدد أين عاش الشخص، ماذا كان يأكل، والهواء الذي كان يتنفسه. وخلصوا إلى أن الانتحاري أمضى الستة أشهر الأخيرة في القتال أو في التدريب العسكري، لأن جسده امتص كميات كبيرة من الرصاص. وكان أكبر جزء من الجسم تم العثور عليه هو أنفه، الذي دفع بعض المحققين إلى الاعتقاد بأنه جاء من إثيوبيا، أو الصومال أو اليمن. وقال محقق بارز طلب عدم الكشف عن هويته بسبب مخاوف بشأن سلامته الشخصية إن فريق التحقيق احتفظ بالأنف في محلول الفورمالين.

المحكمة
“أنف من هذا؟” أصبحت الإجابة عن هذا السؤال المروع منذ ذلك الحين الشغل الشاغل لأحد أغلى وأهم التحقيقات الجنائية، وأكثرها إثارة للجدل التي أجريت على الإطلاق.أنشأت الأمم المتحدة المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي لمتابعة التحقيق، وأصدرت النيابة العامة لوائح اتهام في العام 2011 ضد أربعة عناصر من “حزب الله”، وهي المنظمة المتشددة الأقوى في لبنان، وفي العام 2013 ضد عضو خامس. ببساطة، كانت المحكمة ضرورية بسبب الدور الفريد لـ”حزب الله” في لبنان والعالم: على الرغم من أن وزارة الخارجية الأميركية تصنّف هذا الحزب كمجوعة أجنبية إرهابية، فهذا الحزب هو أيضا حزب سياسي لديه شعبية في لبنان، وبالتالي، فمن الصعب، وربما من المستحيل، على لبنان أو على أي دولة أخرى توفير المكان المناسب لإجراء المحاكمة. لكن أمور كثيرة أخرى هي على المحك. إنها أول محاكمة دولية كبرى تتعلق ببلد عربي، وأحد أكبر التحديات التي تواجه أعضاء النيابة العامة ومحامي الدفاع على حد سواء هو، ببساطة، إظهار أن تحقيق العدالة هو أمر ممكن.

بدأ القضاة الخمس في المحكمة سماع المدعي العام ضد عياش، بدر الدين، مرعي، عنيسي وصبرا في 16 كانون الثاني 2014. وبعد سنة كاملة من الإجراءات، تمكنوا من الاستماع إلى جزء بسيط فقط من مئات الشهود والآلاف من المستندات التي تنوي النيابة العامة تقديمها. وحتى الآن، ساهمت 28 دولة، بما في ذلك لبنان والولايات المتحدة وفرنسا، بما يقارب النصف مليار دولار لتمويل التحقيق والمحاكمة التي ستكلف ربما مئات الملايين الإضافية حتى يتم إغلاق القضية، التي ستستمر على الأرجح سنتين أو ثلاث سنوات. وسوف يواجه المتهمون عقوبة السجن مدى الحياة في دولة يحددها رئيس الحكمة، في حال ثبتت إدانتهم في جميع التهم – أعمال مختلفة من الإرهاب، 22 اتهاماً بالقتل، و231 تهمة الشروع في القتل.

اتخذت المحكمة مبنى من الإسمنت مكون من سبعة طوابق كان يضم فيما مضى مكاتب الاستخبارات العامة والأمن الهولندية، وحولت ملعب كرة السلة إلى قاعة محكمة. في مستودع كبير قريب من المبنى، وضعت المستندات، بما في ذلك حطام سيارة الحريري وشاحنة الانتحاري. المجمع كبير جداً وباهت إلى حد ما. “إنه يذكرنا بقاعات المحاكم في ألمانيا الشرقية،” أحد محامي الدفاع، من باب الدعابة.

لأن الصواريخ يمكن أن تطير من خلال النوافذ، فقاعة المحكمة تخلو من النوافذ. حتى المدرجات العالية، التي كانت الجماهير تشاهد مباريات كرة السلة منها فيما مضى، غطيت بزجاج مضاد للرصاص، وتم تعتيم الجزء السفلي منها لحجب الشاهد الذي يقف تحتها. هذه التدابير ليست علامة على جنون العظمة: قد تم تهديد عدد من الشهود، واغتيال أحد المحققين.

ربما الشيء الأكثر نفوراً في هذه القاعة الراقية هو ما ليس موجودا: قفص الاتهام للمتهمين. قد لا تتمكن السلطات اللبنانية – أو قد لا تلقي القبض على المتهمين الخمسة، ولقد تعهد أمين عام “حزب الله”، السيد حسن نصر الله، بأن الأمم المتحدة لن توقفهم مطلقا، لا في شهر،”ولا حتى في 300 سنة”. لهذا السبب، قررت المحكمة عقد محاكمة دولية غيابية للمرة الأولى منذ محكمة الحلفاء في نورمبرغ في العام 1946 حين حكمت على مساعد هتلر، مارتن بورمان بالإعدام. يعتبر البعض أن هذه المحاكمة ليس سوى ممارسة فارغة. فبموجب القانون الدولي، لدى المتهمين المدانين غيابيا الحق في إعادة المحاكمة، ما لم تكن النيابة العامة للسلطات الي قبضت عليهم في النهاية يمكن أن تظهر أن المتهمين كانوا يعرفون أنهم كانوا في لائحة الاتهام. أما الحجة المضادة، بطبيعة الحال، هو أن المحاكمة الثانية لن تكون ممكنة من دون العمل الذي سبق لهذه المحكمة أن قامت به.

يتميز قضاة المحكمة – وهم استرالي، وإيطالي، وجماييكي، ولبنانيان – بالسترات الحمراء التي يرتدونها فوق عباءاتهم ذات الأكمام الحمراء أيضا. يترأس الجلسات القاضي الاسترالي ، ديفيد ري، وهو قاض مخضرم في المحاكم الدولية خاصة للبوسنة والهرسك ويوغوسلافيا السابقة. العديد من القضاة والمحامين الآخرين الذين يتعاطون في القضية، هم مثل ري، لديهم خبرة مهنية طويلة في الخدمة في هذه المحاكم الدولية.

تسمح موازنة المحكمة للمحامين بتقديم مستنداتهم في أوضح صورة ممكنة. خلال بعض جلسات الاستماع، قدم المدعون العامون نماذج ملفتة بدقتها لمكان التفجير لما قبل وبعد عملية الاغتيال على طاولة هائلة في وسط الغرفة. ركز صناع النموذج، الذين أمضوا أسابيع لبنائها، تركيزاً خاصاً على استنتاج دقيق للدمار، حتى الأضرار التي لحقت بالأشجار. تتم الإجراءات باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، ويتم التدوين في جميع اللغات الثلاث.

من المرجح أن تنشى العملية في لاهاي سوابق جديدة في قناعات القتل على أساس الأدلة الظرفية أيضا. مقابل مئات الملايين من الدولارات التي أنفقت على التحقيق، لم تنتج النيابة أي دليل مباشر، ناهيك عن تأمين التعاون مع أي من المتهمين أو شركائهم المحتملين. تستند قضيتها إلى حد كبير إلى سجلات العشرات من الهواتف المحمولة التي تدعي أنها استخدمت من قبل القتلة، ومن بينهم المتهمين الخمسة.

حضر العديد من الجرحى في الانفجار وأفراد عائلات الذين قتلوا جلسة افتتاح المحاكمة. لقد اعتبروه يوماً مبهجاً، عندما يبدأ ظهور الحقيقة. كانت ندى عبد الساتر-أبو سمرا، من لبنان، أحد المحامين الذين وظفتهم المحكمة لتمثيل مصالح الضحايا. “على مدى أكثر من 40 عاما، قيل لنا إن علينا أن نغفر وننسى وفتح صفحة جديدة. طي صفحة؟ أي صفحة، إن كنا لم نقرأها حتى الآن؟ ننسى؟ ننسى ماذا؟ كيف يمكننا أن ننسى شيئاً ان كنا لا نعرفه؟ نغفر؟ يغفر لمن؟”.

رفيق الحريري
لفهم اغتيال رفيق الحريري، يجب أن نعود إلى عقود خلت، إلى العام 1975، عندما هددت الحرب الأهلية التي بدأت بين المسيحيين الموارنة والفلسطينيين بتمزيق لبنان. طلبت الحكومة من الجارة سوريا إرسال قوات، والسوريون، الذين رأوا لبنان دائماً جزءاً من سوريا الكبرى، فرحوا بهذا الالتزام. طال بقاء القوات السورية، وسرعان ما ركب حافظ الأسد، الرئيس السوري، دمى سياسية خاصة به في موقع السلطة.

إجتاح الصراع في نهاية المطاف المسيحيين والدروز، واللاجئين الفلسطينيين والمسلمين الشيعة والسنة – حرب خماسية الولاءات متغيرة باستمرار – خلفت ما لا يقل عن 120ألف شخص، ومئات الآلاف من الجرحى أو بلا مأوى. فر أكثر من مليون لبناني إلى خارج البلاد، حتى أن إيران والعراق وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وخصيصاً سوريا جعلت منه رهينة لأجندات إقليمية خاصة بها. مع استمرار الحرب، بدّل السوريون ولاءاتهم الخاصة بحسب ما يرونه مناسبا، طالما أنهم يستمرون بإدارة البلاد. استفاد رجال الأعمال السوريون من البنية التحتية المالية الأكثر تقدما في لبنان، ودخلوا تحت حماية القوات المسلحة، وانخرط الجيش السوري في تجارة المخدرات اللبنانية المتنامية.

في العام 1982، غزت إسرائيل لبنان عبر حدودها الشمالية، في مسعى منها لاجتثاث عناصر منظمة التحرير الفلسطينية. دمّر الجيش الإسرائيلي كافة المناطق حتى بيروت وأجبر منظمة التحرير الفلسطينية على الخروج من لبنان. كما هزم أيضا الجيش السوري وخاصة سلاح الجو حينما تواجه معه. عندما أدرك أنه لا يستطيع الانتصار في حرب تقليدية ضد الإسرائيليين، أتخذ الأسد، وهو مسلم علوي، مساراً مختلفاً ومفاجئاً إلى حد ما: سحب معارضته لخطة كان قد اقترحها رجال الدين الموالين لآية الله روح الله الخميني في إيران، وترتكز على إنشاء حزب سياسي شيعي في لبنان. وكان يفترض بالتنظيم الجديد أن يوفر للأقلية الشيعية بديلاً للحكومات المسيحية – السنية التي مارست التمييز ضدهم، وتأمين منظمة تعليمية، ودينية، واجتماعية، وخاصة عسكرية ممولة تمويلاً جيداً. أطلقت المنظمة التي حققت نجاحاً باهراً على نفسها اسم “حزب الله”. أمل الأسد في أن تتمكن الميليشيا الشيعية من ضرب الجيش الإسرائيلي الذي كان لا يزال يحتل “منطقة أمنية” في جنوب لبنان. وهكذا كان، فكان الرد إسرائيل باغتيال الأمين العام لحزب الله الشيخ عباس الموسوي، في شباط من العام 1992.

خلف الموسوي رجل الدين الشاب الكفوء، حسن نصر الله، وعيّن نصر الله بدوره عماد مغنية لإدارة الجناح العسكري لـ”حزب الله”. كان مغنية عبقري في الإرهاب. جعل من التفجير الانتحاري سلاحاً استراتيجياً، وسيد تكتيكات حرب العصابات، والهجمات الخاطفة والعبوات الناسفة التي يتم التحكم بها بواسطة الراديو. استنبط أيضا هدية للدعاية: كان حزب الله أول من بدأ تسجيل هجماته وبث نتائجها. هناك رأي سائد بأن عماد مغنية هو خطط ونفذ تفجير ثكنة البحرية الأميركية في العام 1983 الذي قتل 241 جندياً أميركياً و 58 جندياً فرنسياً وستة مدنيين وأدى إلى انسحاب جنود بحرية الولايات المتحدة في العام 1984. وفي العام 2000، نجح بقيادة ميليشيا صغيرة في إجبار الجيش الإسرائيلي، أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، على الانسحاب من جنوب لبنان.

مات الأسد في ذلك العام نفسه، واستلم ابنه بشار الأسد، الحكم في سوريا. لاحظ بشار الأسد كيف أن الشراكة بين نصرالله وعماد مغنية نجحت حيث العالم العربي بأسره، بما في ذلك والده، قد فشل، فجعل من رابط سوريا مع “حزب الله” – ورعاته في طهران – المكون المركزي للعقيدة الأمنية له. (تمت مكافأة الأسد لرهانه على حزب الله في العام 2013، عندما أرسل نصر الله قواته التي عززت الحكومة السورية ضد المتمردين عليها).

لكن داخل لبنان، بدأ الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000 يرفع الآمال بانسحاب سوري قريب. مقابل خشية قادة “حزب الله” والعديد من السياسيين المدعومين من سوريا، بدأ يتشكل تحالف مناهض لسوريا يجمع مسيحيين ودروزاً وشخصيات سنية. وكان السياسي الأبرز في هذه المجموعة رفيق الحريري.

ولد الحريري في أسرة سنية فقيرة في جنوب لبنان في العام 1944 وجنى بسرعة ثروة كبيرة. بعد الحصول على شهادة في إدارة الأعمال من الجامعة العربية في بيروت عام 1965، انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث أظهر موهبة بارعة في استكمال مشاريع ضخمة – مساجد وقصور ومراكز تسوق – بكفاءة وفي الوقت المحدد، جعلته المفضل لدى العائلة المالكة. في أوائل العام 1980 عاد الى لبنان مليارديرا لديه علاقات واسعة. في العام 1992، ترشح لمنصب رئيس الوزراء وفاز به، تحت راية تحرير الاقتصاد اللبناني. استمر في منصبه حتى العام 1998، ثم ترشح مجددا بعد عامين وتولى منصبه من العام 2000 حتى 2004.

كرئيس للوزراء، لم يواجه الحريري “حزب الله” أو السوريين بطريقة مباشرة، ولكنه في المقابل أجج هذا الصراع. واصل الجيش السوري احتلاله للبنان من الشمال، ولم تساعد كثيراً معارك “حزب الله” مع اسرائيل في الجنوب معظم الشعب اللبناني. أمنت ثروة الحريري وشعبيته – ناهيك عن تأثيره كمالك لمجموعة متنامية من الصحف اللبنانية والفرنسية ومحطات إذاعية وتلفزيون – سمعة تخطت لبنان. أراد أن يجعل من بيروت العاصمة المالية لمنطقة الشرق الأوسط، كما كانت قديماً، ووأراد أن يجعل من لبنان بلدا ليبراليا، موجها نحو الغرب. سعى الأسد للحفاظ على الوضع الراهن، عبر سيطرته على لبنان ووجود “حزب الله” كأقوى قوة عسكرية فيه.

بدأت شبكة من الناشطين مع هواتف محمولة بمراقبة الحريري، والبقاء على مقربة منه ليلاً ونهاراً. في يوم التفجير، توقف حوالى 63 هاتفاً فوراَ ولم تعاود العمل مطلقاً.

في النهاية، انتصر الأسد – إن لم يكن في المسألة الكبرى أي الوجود السوري في لبنان، فعلى الأقل في ما إذا كان هو أم الحريري من سيحدد النتيجة. فالنضال من أجل السيطرة وجد هدفه في نزاع حول مصير اميل لحود، رئيس لبنان منذ العام 1998، الذي كان على وشك انهاء الفترة الأخيرة من ولايته. كان دور الرئيس شرفي الى حد كبير، ولكن لحود، وهو مسيحي، ساند طويلاً التورط السوري في لبنان، وقرر الأسد أن من المهم إبقاءه في منصبه، وهي خطوة تتطلب تعديل الدستور في لبنان. وقد عارض الحريري التعديل بحزم، وكان السوريون أيضا مقتنعون بأنه، ووليد جنبلاط، زعيم الدروز المعارض، كانا يعملان وراء الكواليس على مساعدة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإصدار القرار رقم 1559، الذي يدعو لنزع سلاح “حزب الله” وانسحاب سوريا من لبنان.

يوم 26 آب 2004، استدعى الأسد الحريري إلى القصر الرئاسي في دمشق ليوجه إليه إنذاراً. “يجب أن يبقى لحود في منصبه”، قال الأسد، “حتى لو كانت الولايات المتحدة وفرنسا لا ترغبان في ذلك”. اعترض الحريري، ولكن الأسد حسم الموضوع، “سيبقى لحود”. إن حاول الحريري أو جنبلاط منعه من ذلك، قال أحد الحاضرين في الاجتماع للمحكمة، سوف يدمر لبنان فوق رأسيهما. ثم كرر تهديه للحريري، “سوف أدمر لبنان على رأسك وعلى رأس جنبلاط، لذا من الأفضل لك أن تعود إلى بيروت وترتب الأمر على هذا الأساس.” (يومها نفى الأسد أن يكون قد هدد الحريري بأي شكل من الأشكال).

عاد الحريري إلى بيروت – أخبر أحد حراسه في وقت لاحق محققي الأمم المتحدة أن رئيس الوزراء شعر بالصدمة من جراء اللقاء لدرجة أن أنفه بدأ ينزف –وتوجه على الفور إلى منزل جنبلاط. كان والد الأسد أمر باغتيال والد جنبلاط، زعيم المعارضة اللبناني كمال جنبلاط، في العام 1977، وكان أيضا على الأرجح وراء اغتيال بشير الجميل، رئيس جمهورية لبنان المسيحي المنتخب في العام 1982. فكان للحريري وجنبلاط سبب وجيه للشك أن الأسد سوف يفعل الشيء نفسه معهما. ازداد الخطر في 2 أيلول، عندما أصدر مجلس الأمن القرار 1559، واشتبه السوريون أن الحريري متورط في الموضوع.

خسر الحريري تصويت البرلمان على التمديد للحود، وهدد عدد من الوزراء المدعومين من سوريا بالاستقالة، وإسقاط الحكومة، ما لم يتنح الحريري بنفسه. في أوائل أيلول، قبل موعد حفل نيله جائزة من الأمم المتحدة لإعادة إعمار لبنان، أعلن الحريري استقالته. غادر منصبه في 20 تشرين الأول 2004، وركز اهتمامه على الفور على الانتخابات النيابية المقررة في غضون ستة أشهر. من المؤكد أن حكومة جديدة، قال له مستشاريه ، سوف تضعه مرة أخرى في مكتب رئيس الوزراء.

الاغتيال

عاش الحريري وعمل في مجمع مترامي الأطراف، مكون من تسعة طوابق، قصر قريطم. في حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم 14 شباط 2005، أخبر حراسه أنه سوف يغادر إلى موعد. كان يحب أن يقود السيارة بنفسه، حتى عندما كان رئيساً للوزراء. إنما وهو في منصبه كان يتنقل مع 50 حارساً من قوى الأمن الداخلي. لديه الآن أربعة حراس فقط من الأمن الداخلي، ألحق بهم فريق أمنه الخاص، بقيادة يحيى العرب، المعروف باسم أبو طارق، الذي رافق الحريري منذ العام 1975، مرتديا النظارات الشمسية الداكنة وتعلو وجهه تعابير قاسية. يحمل جميع الحراس مسدسات ويضعون سماعات راديو متصلة بشبكة خاصة تحت إشراف أبو طارق. كانت سياراتهم مجهزة ببنادق آلية وجهاز التشويش على إشارة الراديو (لمواجهة الهجمات التي تشنها أجهزة التحكم فيها عن بعد)، ووفقا لأحد المصادر، قذائف صاروخية وقاذفات صواريخ.

عند الساعة 10:41 صباحا، توجه موكب الحريري إلى ساحة النجمة، مبنى البرلمان اللباني. وصل بعد حوالي 13 دقيقة، وقضى الحريري الساعة التالية في التحدث مع عدد من أعضاء البرلمان، بما في ذلك شقيقته بهية الحريري. بدا في الصور الأخبارية التي التقطت في ذلك الوقت، هادئاً وسعيداً. عند الساعة 11:56 صباحا، عاد الحريري إلى موكبه، وبدأ حراسه بدخول سياراتهم، في انتظار أمر من أبو طارق للعودة إلى المنزل.

في تلك اللحظة نفسها، أجريت عدة مكالمات من هواتف محمولة من على مقربة من مبنى البرلمان إلى مجموعة أخرى من الهواتف متمركزة على مسافة ميل شمال غرب. بعد فترة وجيزة من هذه الاتصالات، سجلت الكاميرات الأمنية في نفق الرئيس سليمان فرنجية، في نفس المنطقة تقريبا، تحرك شاحنة ميتسوبيشي كانتر شمالاً، نحو فندق السان جورج. كانت الشاحنة تحمل طنين من المتفجرات العسكرية تسمىRDX ، ما يكفي لإحداث انفجار يعادل تفجير أوكلاهوما سيتي عام 1995.

بينما كان الحريري يهم بدخول سيارته، أخبره أبو طارق أن نجيب فريجي، المتحدث باسم الأمم المتحدة في بيروت، يجتمع مع بعض الصحافيين في ساحة النجمة، في مقهى مقابل للشارع. قرر الحريري عدم المغادرة،. وسار بدلاً من ذلك، بخفة نحو المقهى. أخبر أبو طارق الحراس الشخصيين بواسطة الراديو بالتأخير. انطلق سلسلة أخرى من المكالمات الغامضة عبر الهواتف المحمولة، وانعطف سائق شاحنة الميتسوبيشي نحو اليمين بعد خروجه من النفق وتوقف. أمضى الحريري 45 دقيقة في المقهى، تحدث فيها مع فريجي والصحافيين، فضلاً عن عدد قليل من المارة. ظلت الهواتف المحمولة صامتة، والشاحنة متوقفة، تنتظر.

كان مع الحريري ضيف، باسل فليحان، مسيحي، شغل منصب وزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة اللبنانية. بناء على طلب الحريري، قطع فليحان عطلة التزلج في سويسرا للتشاور حول بعض المسائل الاقتصادية. كان قد حجز رحلتين منفصلتين لعودته إلى سويسرا – واحدة يوم الأحد، قبل يوم من الهجوم، وأخرى لليوم الذي يليه. اختار الموعد الثاني لأنه كان يريد المشاركة في مناقشة برلمانية.

غادر الحريري أخيرا المقهى، وعاد إلى سيارته. جلس فليحان في المقعد بجانب السائق، وفتح الحريري زجاج السيارة ملوحاً بيده ومبتسماً لحشد صغير من الناس. في صورة هذه اللحظة، والتي كانت آخر صورة للحريري وهو على قيد الحياة، انعكاس لبرج ساعة البرلمان على زجاج نافذة المرسيدس النظيفة. أدار المحققون الصورة ورأوا الوقت المحدد لانطلاق موكب الحريري: 10 دقائق قبل الساعة الواحدة ظهرا.

يتألف موكب الحريري من ست سيارات. انطلق عناصر قوى الأمن الداخلي في المقدمة في جيب أسود تويوتا لاند كروزر، تبعهم مباشرة حراس الأمن الخاص في سيارة مرسيدس بنز 550 إس سوداء. لحق بهم الحريري، يقود سيارته المرسيدس 600 إس (مع فليحان)، تتبعه سيارتا مرسيدس 500 إس في داخلهما حراس أمن خاص آخرين. ظهرت في المؤخرة سيارة زرقاء داكنة من نوع شيفروليه سوبربان أعيد تجديدها كسيارة اسعاف. من السيارة الرابعة، أبلغ أبو طارق لاسلكيا فريق قوى الأمن الداخلي الذي يقود الموكب بالطريق التي أراد أن يسلكها. لحق السائقون الآخرون بالسيارة التي تقود الموكب.

عندما انطلق الموكب، فتحت الهواتف المحمولة مجدداً، وعادت شاحنة الميتسوبيشي إلى السير. التقطت الكاميرا الأمنية عند مخرج نفق الرئيس سليمان فرنجية الشاحنة مرة أخرى وهي تتجه إلى فندق السان جورج. كانت الساعة 12،51. التقتت كاميرا أمنية أخرى موضوعة على مبنى بنك HSBC، شاحنة الميتسوبيشي، وهي تتحرك الآن ببطء شديد، أبطأ بكثير من السيارات الأخرى.

اقتربت الشاحنة من فندق السان جورج، ومرت أمام كاميرا أمنية أخرى. بعد ثانية واحدة من مغادرة شاحنة الميتسوبيشي المنطقة التي تغطيها الكاميرا ظهر موكب الحريري. كانت السيارات الستة تسير بسرعة حوالي 45 ميلاً في الساعة، وفقا لأنظمة الأمنية. مرت السيارات على مسافة حوالى 20 قدما كل واحدة عن الأخرى، ثم خرج الموكب من المنطقة التي تغطيها الكاميرات الأمنية.

عند الساعة 12:55 ظهرا، ومع اقتراب الموكب من الشارع الذي يفصل بين فندق السان جورج ومبنى بيبلوس قيد الإنشاء، تجاوزت السيارة الأولى شاحنة الميتسوبيشي. ربما طُلب من المهاجم تفجير نفسه بجانب السيارة الثالثة التي كان الحريري يقودها. تأخر عنها لجزء من الثانية، وانفجرت الشاحنة تماما عند بدء مرور السيارة الرابعة.

في لحظة واحدة، أصبح الشارع جحيما. أحدث الانفجار حفرة كبيرة حوله، وامتزجت ألسنة اللهب والدخان والغبار، والسيارات المحترقة، وجثث الموتى والمحتضرين، وأجزاء أجساد، ومن المباني المدمرة، مئات الآلاف من شظايا الزجاج. رأى الناس الذين كانوا يشاهدون البث المباشر من البرلمان المنبر يهتز والمتحدث ينكمش خوفا. كان واضحا أن هذا لم يكن زلزالاً، وعندما لم يتم سماع الانفجار الثاني، أيقن النواب أنه لم يكن دوياً قوياً من الطائرات الإسرائيلية التي تطير دائماً أزواجاً. وسمع عضو البرلمان يصرخ، باللغة العربية، “قنبلة!”

أبو طارق، الذي كان في السيارة الرابعة، والأقرب إلى الانفجار، تلقى القوة الكاملة للانفجار. كل ما استطاع المحققون إيجاده من رفاته كانت 38 قطعة من اللحم. وقد ألقى الانفجار تلك السيارة وما تبقى من ركابها في الطوابق السفلى من مبنى بيبلوس. السائق، محمد درويش، قطعت يديه ورجليه. أولئك الذين بقوا محاصرين في مقاعدهم في سيارات أخرى لم يلقوا مصيرا أفضل. أظهرت لقطات الفيديو النيران تأكلهم، وظهرت جماجمهم البيضاء بعد ذوبان فروة رؤوسهم.

قذف التفجير جثة الحريري إلى الخارج وبالتأكيد توفي على الفور. اعتاد حراس الحريري تقبيل يده عربون ولائهم له. وقال أحد الحراس للمحكمة في وقت لاحق، “عندما عدت، رأيته على الأرض، وكنت قادرا على التعرف عليه من خلال خاتم زواجه.”

وسام عيد

بدأ تحقيقان على الفور: فريق أولي من الأمم المتحدة ما أصبح في نهاية المطاف المحكمة من جهة، ووسام عيد، نقيب في قوى الأمن الداخلي درس هندسة الكمبيوتر قبل الالتحاق بقوى الأمن الداخلي، التحقيق المحلي من جدهة ثانية. صرفت الأمم المتحدة عدة ملايين من الدولارات للتحقيق في الجريمة، وترقب العالم كله عواقب لا يمكن تصورها للمنطقة. لكن عيد هو الذي طرح السؤال الذي فتح القضية في النهاية: لماذا لا ننظر إلى سجلات الهاتف المحمول؟

في ذلك الوقت، كانت منظمات تطبيق القانون في جميع أنحاء العالم أقل تطوراً مما هي عليه اليوم في ما يتعلق بما يمكن استخلاصه من استخدام الهاتف المحمول. كانت بعض العناصر الإجرامية تدرك أن جهاز مخابرات قد يكون قادراً على التنصت على المكالمات، لكن مجموعة صغيرة منهم فرت في قيمة البيانات الخلفية، المعلومات التي تبدو بسيطة حول متى وأين تم إجراء المكالمة أو حتى موقع الهاتف في تلك اللحظة. (يمكنك الاتصال على الهاتف المحمول والحصول على الجواب في غضون ثوان،لأن الهواتف المحمولة، عندما تعمل، تتحقق باستمرار من أي برج خلية يكون الأقرب إليها).

بناء على طلب عيد، أمر قاض شركتي الهاتف المحمول في لبنان، شركتي Alfa و MTC تاتش، لاستخراج سجلات المكالمات والرسائل النصية في لبنان في الأشهر الأربعة قبل التفجير. ثم درس عيد السجلات سراً لعدة أشهر. ركز على سجلات هاتف الحريري ومرافقيه، وتحقق من الذين اتصلوا بهم، وإلى أين ذهبوا، من التقوا ومتى. وتتبع أيضا أين أمضى أبو عدس، الانتحاري المفترض، الوقت قبل اختفائه. تحقق من كل الاتصالات التي أجريت على طول الطريق الذي سلكه مرافقو الحريري يوم الاغتيال. بحث دائماً عن السبب والنتيجة. قال محقق كبير في الامم المتحدة ، “كان رائعاً، رائعاً وحسب”. “من تلقاء نفسه، وضع برنامجاً بسيطاً لكن فعال بشكل مثير للدهشة لاستخراج بنك البيانات الهائل هذا”.

كشف نظام العد العشري البسيط بسرعة وجود نمط غريب. في تشرين الأول 2004، بعد استقالة الحريري، بدأت مجموعة معينة من الهواتف المحمولة بملاحقته وملاحقة عناصر موكبه الذي تم تقليصه أينما ذهبوا. بقيت هذه الهواتف قريبة منهم ليلاً ونهاراً، حتى يوم التفجير – حيث توقف حوالى 63 هاتف في المجموعة فوراً ولم تعاود العمل مطلقاً.

أمضى عيد سنة في استخراج النماذج من البيانات. ثم بدأ في تقديم سلسلة من التقارير السرية لرؤسائه وفي النهاية، إلى فريق الأمم المتحدة. كان متأكداً من أن فريقا كبيراً من الناشطين المدربين تدريباً جيداً استخدم شبكة من الهواتف المحمولة لتنفيذ عملية الاغتيال. كما خلص عيد لاستنتاج أولي وخطير. كانت لديه أدلة تربط شبكة الهاتف بمسؤولين كبار في “حزب الله”. وتعززت هذه الشكوك عندما تلقى مكالمة هاتفية من مسؤولين في “حزب الله”، علموا بطريقة أو بأخرى عن تحقيقاته. ووفقا لتقرير بثته “سي بي سي” نيوز بعد سنوات، أكد ناشطون أن بعض الهواتف تعود إلى عناصر في “حزب الله”، لكنه ادعى أنهم كانوا يستخدمونها للتحقيق في مؤامرة اسرائيلية.

بشجاعة، عكف عيد على عمله. في 5 سبتمبر 2006 انفجرت قنبلة على جانب طريق قرب موكب مؤلف من سيارتين تقلان قائد عيد، المقدم سمير شحادة، ومرافقيه في جنوب لبنان. نجا شحادة، ولكن الانفجار أسفر عن مقتل أربعة من حراسه الشخصيين. (انتقل شحادة في وقت لاحق للاستقرار في كيبيك). بدأ عيد يتلقى تهديدات بالقتل. واصل عمله، يتتبع من هاتف إلى آخر، ويؤلف روابط جديدة. طلب من شقيقه أن يصوره وهو يعمل، وصنع أيضا نسخة احتياطية من عمله ومن السجلات غير المجهزة.

في المقابل أحرز فريق الأمم المتحدة، تقدما بسيطاً. في تشرين الأول 2005، وبعد ثمانية أشهر على الهجوم، أصدر ديتليف ميليس، المحقق الألماني الذي أرسلته الأمم المتحدة للإشراف على القضية، تقريراً عاجلاً يستند في المقام الأول على شهادة شاهدين، ادعيا أنهما كانا موجودين عندما خططت مجموعة من الضباط اللبنانيين للهجوم بالاشتراك مع ضباط في المخابرات السورية. اعتقلت السلطات اللبنانية الجنرالات، الذين نفوا بشكل قاطع أي تورط. سرعان ما بدأت القضية تنهار. بعد مرور أشهر، ثم سنوات، دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، ووزارة الخارجية الأميركية في نهاية المطاف والأمم المتحدة نفسها لبنان إلى إطلاق سراح الجنرالات، وهذا ما حدث بعد سنوات عدة ، بعدما سحب أحد الشهود شهادته على برنامج أخبار تلفزيوني .

في أواخر العام 2007، عاد فريق الأمم المتحدة أخيراً إلى سجلات الهاتف. في البداية تجاهل الفريق عمل عيد الأولي، الذي كان موجوداً في ملفاته منذ عام 2006. بدلاً من ذلك، ووفقاً للتقرير الصادر عن “سي بي سي نيوز”، استخدم فريق الأمم المتحدة شركة بيانات بريطانية مستقلة لتحليل بيانات الهاتف – وكما فعل عيد قبلهم – اكتشفت بسرعة نموذجاً واضحاً. هناك مجموعة من الهواتف تتبعت الحريري لعدة أشهر قبل وفاته، ثم توقفت عن العمل بعد الهجوم.

كان عيد قد ذهب أبعد من ذلك بكثير، متخذاً عدة قفزات منطقية سمحت له بالمباشرة في بناء هيكلية قيادة كاملة. اهتم فريق الأمم المتحدة أخيرا بعمله ودعاه إلى اجتماع في كانون الثاني عام 2008. كان الاجتماع مثمراً، لذا اجتمعوا مرة أخرى في الأسبوع التالي. في 25 كانون الثاني 2008، وبينما كان عيد وحارسه يقودان السيارة على الطريق السريع في شرق لبنان، انفجرت سيارة ملغومة، ما أسفر عن مقتله، ومقتل حارسه الشخصي وشخصين آخرين صادف وجودهم على الطريق في ذلك اليوم. كان عيد يبلغ من العمر 31 عاما فقط.

بعد فترة وجيزة، أعلنت السلطات اللبنانية أنها غير قادرة على متابعة أي جزء آخر من التحقيق، وأنها نقلت جميع المواد التي في حوزتها، والتي تتسع لحمولة شاحنتين، إلى فريق الأمم المتحدة.

المرصد انولاين

شاهد أيضاً

الارهابي السوري محمد زمار… اطلق سراحه الاسد واستخدمه لقمع الثورة

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، أن قوات تدعمها في سوريا ألقت القبض منذ أكثر من …

أضف رد (التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها)

%d مدونون معجبون بهذه: