الرئيسية / قضايا الارهاب / “ابن الدولة” اللبنانية الذي قُتل في معتقلات الاسد وتنكرت له “الدولة”

“ابن الدولة” اللبنانية الذي قُتل في معتقلات الاسد وتنكرت له “الدولة”

في “الجمهورية اللبنانية”، حيث تكثر الأحزاب ويتكاثر السياسيون الذين يتحدثون عن قيم العدالة والسيادة وحرية لبنان ورفض الوصاية، والخط الأحمر المتمثل في المؤسسة العسكرية، ووجوب محاربة الإرهاب والإرهابيين، ومنع تعكير صفو السلم الأهلي.. في “دولة” لبنان هذه، رجع “ابن الدولة” مقتولا من سجون بشار الأسد، دون ضجيج، ولا خطابات عن السيادة والاستقلال ورفض الإرهاب، بل دون حضور أي مسؤول من “الدولة”.
هذه باختصار موجع قصة “المعاون أول قيس سلمان منذر” الذي غيبه بشار الأسد في معتقلاته 9 سنوات، ثم اكتفت مخابراته برسالة مقتضبة تخبر من يعنيه الأمر بوجوب استلام جثته.
“قيس” المكنى “أبو سلمان” والذي كان يخدم في سلك قوى الأمن الداخلي اللبناني لحظة اعتقاله، رجع إلى أهله وبلده و”دولته” جثة هامدة، دون أن تستثمر في قصته تيارات وأحزاب ووسائل إعلام ومحللون “استراتيجيون”، كانوا كلهم سيصرخون عالياً وطويلا لو أن القاتل كان غير نظام الأسد.
https://www.youtube.com/watch?v=zIK90Ch0B3A
*”أحسن مهجع”
قبل أيام، أهال ذوو “قيس منذر” التراب على ابنهم، وهم يشهدون بأم أعينهم قتل “قيس” أكثر من مرة.. مرة عندما اعتقلته مخابرات بشار الأسد، وتجاهل لبنان الرسمي المطالبة به، ومرة عندما أشاع النظام عنه تهمة “العمالة لإسرائيل” دون أن يكون هناك في سجل مخابرات بلده لبنان ما يدينه (حسب أهله)، ومرة أخيرة عندما أرسله بشار إلى “لبنان الشقيق” جثة باردة تعاملت معها السلطات اللبنانية بمنتهى البرود، وكأن هذا الشخص لم يخدم دولة “الدولة” يوما ولا ارتدى زيها العسكري قط.
“زمان الوصل” التي أخذت على عاتقها أن لا تمر جريمة من جرائم النظام إلا لاحقتها، عادت إلى سجلات مخابرات النظام الرسمية، التي لدى الجريدة نسخة منها، ليتضح أن هناك مذكرة اعتقال صريحة بحق “قيس سلمان منذر” (مواليد 1965)، صادرة عن شعبة المخابرات العسكرية وتعود إلى عام 1996، أي قبل 11 سنة من اعتقاله على الحدود وهم يهم بدخول سوريا لزيارة شقيقة له.
ولمتابعة قصة “قيس” والتعرف أكثر على ملابسات وظروف اعتقاله، تواصلنا مع “ماهر إسبر” واحد من أكثر المقربين من “قيس”، والذي قضى معه عدة سنوات في معتقل صيدنايا، حيث بدأ حديثه لجريدتنا بالإشارة إلى “التهمة” التي كانت موجهة لـ”قيس” من قبل مخابرات النظام وتحديدا الفرع 293 (فرع الضباط).
وقال “ماهر” إن النظام اعتقل “قيس” في 2007، واتهمه بتهريب ضباط من “الجيش السوري” إلى أستراليا، فيما كان “قيس” يؤكد خلال أحاديثه في المعتقل أنه بريء، وأن الضابط المذكور استولى على جواز “قيس” وهرب به نحو أستراليا في تسعينات القرن الفائت.
“ماهر” الذي لازم “قيس” في صيدنايا، وتابع قضيته منذ البداية وحتى النهاية، أكد أن “قيس” علم عن قضية انتحال شخصيته بطريق الصدفة، حيث استدعته إحدى المحاكم اللبنانية يوما، لتخبره أن “زوجتك في أستراليا تطالب بأولادها”، فأبدى قيس استهجانه التام من الأمر، فواجهته المحكمة متسائلة: أليست هذه بياناتك واسمك؟، وعندها اكتشف قيس أن هناك من انتحل شخصيته واستولى على جواز سفره وغادر به إلى أستراليا حيث عاش هناك وتزوج باسمه ثم طلق زوجته، التي ادعت أمام المحكمة اللبنانية، ولولا هذه الواقعة ما كان للمعاون الأول في قوى الأمن أن ينتبه للقصة.
ولفت “ماهر” إلى أن النظام أحضر عدة ضباط من جيشه لمواجهة “قيس” عندما اعتقله وباشر التحقيق معه، وأن بعض هؤلاء كان معروفا لـ”قيس” كونهم كانوا يخدمون في منطقته (عاليه)، لكن من كان برتبة نقيب ظهر أمامه برتبة لواء (كناية عن طول الزمن وتقادم الحادثة)، وقد تم التحقيق مع الجميع، لكن “قيس” هو الوحيد الذي حمُّل وزر القضية وتم تحويله إلى صيدنايا.
واستذكر “ماهر” كيف تم إحضار “قيس” إلى مهجعهم نهاية 2007، وكان مهجعا مخصصا لمجموعة من الشباب السوريين الذي أسسوا ما يسمى “شباب من أجل سوريا” وبينهم صحافيان، معقبا: عندما أُحضر “قيس” إلى صيدنايا، سأله مساعد في السجن عن هويته، فأخبره بها وبأنه يحمل رتبة “مساعد” (معاون في لبنان)، ويبدو أن هذا ما جعل السجان يتعاطف معه ويختار له “أحسن مهجع” حسب توصيف السجان نفسه.

وأكد “ماهر” أنه عاش و”قيس” فترة الاستعصاء الشهير في صيدنايا (صيف 2008)، وأن الأخير أصيب بكسر في يده، وعند انتهاء العصيان تم نقلهما وبقية المعتقلين إلى سجن عدرا عدة أشهر، ثم أعيدوا إلى صيدنايا، بعدما أتم النظام ترميم وإعادة تأهيل ما تعرض للخراب نتيجة الاستعصاء وما تبعه من اقتحام ( قضيا في عدرا 6 أشهر امتدت بين 26-12-2008 حتى 24-6-2009).
*قوي البنية والروح
وفي صيف 2011 (حزيران) ومع صدور ما عرف بـ”مرسوم العفو” حينها، خرج “ماهر” ضمن المفرج عنهم، وودع “قيس” الذي كان يقال له أنه محكوم بـ12 سنة، وأن مدة التنفيذ قد تحتسب 9 سنوات، فقد كان “قيس” في بداية اعتقاله يجهل تماما أن النظام قد حاكمه (قياسا على صورة المحاكمات المطبوعة في ذهنه)، إلى أن روى لمن كان يشاركونه المهجع -ومنهم “ماهر”- أن لجنة من 3 ضباط استجوبوه وسألوه عن بياناته، وعندها قال له المعتقلون من رفاقه العالمين بأساليب النظام: لقد تمت محاكمتك وحُكم عليك، فأبدى “قيس” دهشته: أنا محكوم!، ومن يومها بدأ “قيس” في التحقق من الأمر حتى أبلغه أحد أقاربه أنه محكوم بـ12 سنة.
“ماهر” وصف زميله في المعتقل بأنه كان قويا جسديا ونفسيا، وصاحب نكتة وروح مرحة، وحتى بعد تفرقهما بقي “ماهر” يتابع أخباره حيث تم نقله إلى سجن دمشق المركزي “عدرا” ولم يكن يعاني أي مشاكل صحية بشهادة ذويه الذين كانوا على اتصال دائم به، وآخر تواصل معه كان قبل أيام قليلة من تلقيهم نبأ مقتله.
ولفت “ماهر إسبر” إلى أنه وبعد “العفو” الذي صدر في حزيران/يونيو 2011 تم تفريغ معتقل صيدنايا كليا من كل المعتقلين القدامى، ونقلهم النظام إلى سجون مدنية تتبع لمحافظاتهم؛ لإفساح المجال لاستيعاب الآلاف المؤلفة من المعتقلين على خلفية مشاركتهم في الثورة، وقد تم تحويل “قيس” إلى سجن عدرا.
واستعبد “ماهر” أن يكون مقتل “قيس” قد تم على يد “تكفيري” ما، فقد كان في السنوات الأخيرة مودعا ضمن سجن عدرا المدني الطابع، وحتى خلال اعتقاله في صيدنايا كان موجودا في مهجع ليس فيه أي فرد أو مجموعة تمت لـ”التكفيريين” بصلة.
وقال “ماهر” لـ”زمان الوصل” إنه أيا تكن الجهة التي صفّت “قيس”، حتى لو كان شخصا من أصحاب الجرائم الشائنة، حيث عمد النظام منذ سنوات إلى وضع هؤلاء المجرمين مع المعتقلين السياسيين.. فإن النظام هو المسؤول الأول والأخير عن سلامة “قيس”، هذا إذا افترضنا سذاجة أن النظام ليس هو الجهة التي قتلت “قيس” فعلا.
وأوضح “ماهر” أن من شاهدوا جثة “قيس” أكدوا وجود علامات عنف وتعذيب واضحة عليها، ما يقطع الشك باليقين حول أي رواية مغايرة يمكن أن تقول إن الرجل توفي وفاة طبيعية أو نتيجة عارض صحي كالأزمة القلبية.
وأخيرا شدد “ماهر” على نقطة التباس حساسة تداولها البعض عند حديثه عن قضية “قيس”، ألا وهي علاقته المزعومة بقضية فرار الطيار الحربي “بسام العدل” واتهام النظام له بذلك، مؤكدا –أي “ماهر إسبر”- أن زميله “قيس” لم يكن متهما في قضية “العدل”، ولكن محققي النظام ذكروا أمامه اسم “بسام العدل” كنوع من الترهيب والضغط، ومن مبدأ أن جرمك في المساعدة على هروب الضابط إلى استراليا هو جرم يعادل فرار “العدل” نحو “الكيان الصهيوني”، ومن هذه النقطة حصل اللبس لدى البعض، وهم يسوقون مقولة أن “قيس منذر” كان متواطئا في قضية “العدل” أو متهما بالتواطؤ فيها.
 

شاهد أيضاً

مواجهة.. المعين الذي يعب منه الإرهابيون

هناك أسطورة تقول إن رجلاً كان يقف على ضفة نهر، وفجأة رأى رجلاً يستغيث به …

أضف رد (التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها)

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات