الرئيسية / تكنولوجيا الدفاع / الأسلحة البيولوجية تاريخها و طرق إستعمالها (بقلم أدولف عيد Master CBRN)

الأسلحة البيولوجية تاريخها و طرق إستعمالها (بقلم أدولف عيد Master CBRN)

 لم يوفر الإنسان منذ الخلق أي وسيلة أكانت للدفاع عن نفسه أو حتى لمهاجمة أعدائه بغية قتلهم و الإستيلاء على ممتلكاتهم أو استباحة أراضيهم. 

فللأسلحة البيولوجية تاريخ طويل في الحروب التي خاضها البشر ضد بعضهم البعض منذ الاف السنين. فلطالنا كانت الجراثيم و البكتيريا عدوة للإنسان و سببا رئيسيا لمرضه و موته. لقد استعمل الإنسان منذ القدم مختلف الوسائل التي كانت متاحة انذاك لنشر الفيروسات و البكتيريا بين صفوف أعدائه حتى قبل أن يعرف العلوم التي تقف خلفها. 

فأولى استعمالاتها المسجلة في سجلات الجيوش هي في العام 1346م في مدينة “قافا” التي تقع في شبه جزيرة القرم (روسيا الفدرالية حاليا) حيث كانت تخضع المدينة المذكورة لسيطرة جمهورية جاناوا البحرية ( Maritime Republic of Genoa) و التي كانت محاصرة من قبل جيوش المغول بهدف الإنقضاض عليها. و بعد ثلاث سنوات من الحصار فتك مرض الطاعون بالمغول و راح يحصد الاف الأرواح منهم يوميا. 

بالرغم من الخسائر الفادحة في صفوفهم استطاع المغول من نقل المرض إلى أعدائهم داخل المدينة المحصنة بعدما قاموا بقذف الاف الجثث العائدة لرفاقهم و التي كانت مصابة بالطاعون فوق أسوار المدينة بوسطة المنجنيق. وبعد فترة وجيزة انتقل الطاعون إلى سكان و جنود المدينة المنكوبة و ما لبثت أن سقطت في أيدي المهاجمين و فر ساكنوها بواسطة قوارب كانوا يستعملونها لنقل البضائع من و إلى أوروبا حاملين معهم “الموت الأسود” إلى القارة العجوز. هنا بدأت معاناة أوروبا مع المرض القادم حديثا من خلف البحارو الذي حصد بدوره مئات الالاف من الأوروبيين.  

البعض الاخر من المؤرخين يعود بالتاريخ إلى الأعوام (200-900 BC) قبل الميلاد حين استعملت الأسلحة البيولوجية من قبل الثكثيين (Scythians) و هم من المحاربين البدو الذين سكنوا سهول سيبيريا انذاك حيث كانوا يغمسون سهام أسلحتهم داخل الجثث المتحللة قبيل إطلاقها باتجاه أعدائهم بهدف نقل الأمراض إليهم. 

أما في العام 1155م أمر الإمبراطور الروماني (Barbarossa) جنوده برمي الجثث المتحللة العائدة للجنود و الحيوانات داخل ابار المياه التي كانت تغذي مدينة “تورتونا” الإيطالية و نجح بعدها بإخضاعها. 

في العام 1495م قام الإسبانيون بخلط النبيذ الأحمر بعينات دماء كانت مصابة بمرض الجذام (Leprosy) قبل بيعها للفرنسيين. 

لم يتردد البولنديون في العام 1650م بقذف أعدائهم بلعاب الكلاب التي كانت مصابة بداء الكلب ما أدى إلى حالات من الهلع في صفوفهم. 

أما الحالة الثانية الموثقة هي قيام أحد الضباط البريطانيين في العام 1763م في مدينة (Fort Pitt) الأميركية بتقديم شراشف و بطانيات لإحدى قبائل الهنود الحمر (Delaware) كعربون صداقة و حسن نية و التي كانت ملوثة عن قصد بداء الجدري (Smallpox) ما أدى إلى انتشار العدوى بين أفرادها و قتل معظمهم. 

نابوليون بونابارت و بغية نشر المالاريا في مدينة “مانتوا” الإيطالية قام بإغراقها بالمياه في العام 1797. 

خلال الحرب العالمية الأولى قام بعض العملاء الألمان في الولايات المتحدة بحقن بعض الخيول و المواشي التي كانت ستتوجه بحرا إلى أوروبا للمشاركة في الأعمال الحربية اللوجستية ببكتيريا الجمرة الخبيثة (Anthrax) و كانت النتيجة ضعف و من ثم موت الحيوانات المصابة. 

بالرغم من بروتوكول 1925 الذي يحظر الأسلحة البيلوجية كان لليابان حصة الأسد في انتهاك حقوق الإنسان و جرائم الحرب في ما خص هذه الأسلحة. ففي العام 1936 بعيد غزو مقاطعة منشوريا الصينية قام اليابانيون و بقيادة الضابط الطبيب (Shiro Ishii) ببناء  إحدى أكبر المنشأت في منطقة “بنغ فانغ” و التي كانت مركزا لأبشع و أفظع التجارب البيولوجية و أكثرها إجراما في القرن العشرين.  فتحت ستار أنها منشأة لتنقية المياه قام أفراد الوحدة 731 (Unit-731) بأبشع التجارب على السجناء و الأسرى الصينيين و السوفيات. فبالإضافة إلى ما يعرف بلسعة الصقيع (Frost bite) التي كانت تجرى على أطراف السجناء كان يتم حقن البعض الأخر بمرض الطاعون و الكوليرا و إجراء التجارب عليهم بعد حقنهم ناهيك عن عمليات التشريح التي كان يقوم بها الجراحون اليابانيون على السجناء الأحياء من دون استعمال البنج أو تخديرهم. هذا على صعيد الأفراد أما على صعيد المجموعات فكانت تزود بعض الطائرات الحربية بخزانات كانت تثبت تحت أجنحتها و كانت تحتوي على حشرات البعوض التي تحمل مرض الطاعون المنقول إليها من الجرذان التي كانت موجودة داخل مختبرات الوحدة 731 و يقومون برشها فوق المدن الصينية المحتلة و بعد عدة أيام يدخلونها مرتدين بزات و أقنعة واقية من الأمراض و يشرعون بالفحوصات اللازمة لمراقبة الوباء و سرعة إنتشاره في جسم الإنسان واهمين المصابين بأنهم يقومون بالإعتناء بهم. و لكن قبيل انتهاء الحرب و مع تقدم الجيش السوفياتي داخل منشوريا أصدرت القيادة اليابانية أمرا بتدمير المختبرات و إخفاء أثر التجارب البيولوجية قبل الإنسحاب منها. هذا لم يمنع جيوش الحلفاء و السوفيات من تكوين فكرة عما كان يجري داخل هذه المراكز حتى قبل تدميرها. ولكن الحلفاء ذهلوا بالتقدم الذي أحرزه اليابانيون في مجال الأسلحة البيلوجية بعد اعتقالهم العديد من الضباط و الأطباء الذين عملوا على التجارب داخل المنشأة وعلى رأسهم “شيرو” وعوضا عن تقديمهم لمحكمة الجرائم ضد الإنسانية قام الأميركيون بالتستر عنهم و الطلب منهم نقل خبراتهم المكتسبة من التجارب المذكورة أعلاه إلى الجيش الأميركي و هذا ما حصل. فقد أنشأ الأميركيون في مدينة “فورت ديتريك”و “إيدج وود” في ميريلاند إحدى أهم النشأت لهندسة الأسلحة البيولوجية و قاموا بمئات التجارب أهمها في العام 1953 حيث أغارت طائرات “فانتوم” العسكرية على سفن حربية كانوا قد وضعوا داخلها قردة و أفرغوا الخزانات التي كانت تحتوي على (Anthrax) على البوارج. بعدها تم نقل القردة إلى المختبرات حيث مات نصفها جراء الإصابة بالمرض الناتج عن الهجوم. عندها صرح كبير الخبراء في “فورت ديتريك ” بعد تقييم التجارب و قال : “الأن عرفن أننا أمام سلاح استراتيجي”.عرف هذا البرنامج بإسم (Project 112) و قام خبراؤه أيضا ببعض التجارب لمحاكاة المدن السوفييتية التي ممكن أن تكون هدفا لهم في حال نشوب حرب بين الجبارين. و لكن في خطوة سياسية كبيرة قام الرئيس “نيكسون” بعد انتخابه سنة 1969 و أعطى تعليماته بإقفال جميع هذه المنشـأت و تحويلها إلى مراكز للأبحاث السلمية و تدمير الترسانة  البيولوجية الأميركية ممهدا الطريق لمعاهدة حظر الأسلحة البيولوجية و التي تم الإتفاق عليها عام 1972 و من ثم دخلت حيز التنفيذ عام 1975. لكن و لسخرية القدر و بعد أن قام الإتحاد السوفياتي بالتوقيع على معاهدة الحظر بدأت مرحلة جديدة في البرنامج السوفياتي حيث بدأ بالتوسع عوضا عن الإنحسار. فبغية إخفاء البرنامج العسكري الجديد و التمويه قام الروس ببنائه داخل بعض المدن تحت ستار أنه برنامج للأغراض الطبية و عرف بإسم (Biopreparat). لم تمر فترة طويلة قبل أن تبدأ الشكوك بمساورة الأميركيين حيث رصدت طائرات التجسس التابعة لهم نشاطات مريبة تحدث داخل هذه المنشأت و التي كانت منتشرة في عدة مدن سوفياتية أذكر منها: موسكو, لينينغراد, سفيردلوفسك (ييكاترينبورغ حاليا”). أما الحادثة التي قطعت الشك باليقين هي الحادثة التي وقعت في مدينة سفيردلوسك حيث أدى تسرب “للجمرة الخبيثة” يعتقد أنه ناجم عن أحد الإنفجارات داخل المنشأة و أدى إلى انتشار المرض في المدينة المذكورة. عندها سارع المسؤولون الروس إلى نفي الخبر و برروا انتشار المرض إلى استهلاك المواطنون الروس للحوم فاسدة. و لكن في العام 1992 أقر الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين بوجود هكذا برنامج في الإتحاد السوفياتي السابق غير أن الرئيس بوتين عاد و نفى الخبر بعيد انتخابه عام 1999. 

لم تقتصر هذه البرامج و التجارب على الولايات المتحدة و الإتحاد السوفياتي فبريطانيا و أفريقيا الجنوبية و دول أخرى قامت بأبحاث و تجارب تتعلق بالأسلحة البيولوجية كمختبرات (Porton Down) البريطانية و البرنامج الجنوب أفريقي و الذي كان عرابه الدكتور (Wouter Basson) أو كما عرف بطبيب الموت بالإضافة إلى البرنامج العراقي و الذي كان يحوي كمية من (Botulism) كافية لقتل البشرية جمعاء. 

تقسم الأسلحة البيولجية إلى ثلاثة فئات رئيسية   

Category A 

(Bacillus anthrasis (Anthrax

(Clostridium botulinum (Botulism 

Smallpox 

(Yersinia Pestis (plague 

(Francisella tularensis (Tularemia

فهي سريعة الإنتشار و العدوى و نسبة المرض و الموت عالية جدا. 

 

Category B 

(Coxiella bunetti (Q fever 

(Brucella species (Brucellosis 

(Burkholderia mallei (Glanders 

Food and water borne pathogens 

من السهل نسبيا نشرها و معدل العدوى و الوفياات متوسط 

 

Category C 

Tuberculosis 

Nipah 

Hanta viruses  

Encephalitis viruses 

سريعة العدوى و الإنتشار معدل الوفيات مرتفع و يمكن العمل على هندستها الوراثية في المستقبل. 

كيفية نشرها: 

يتم نشر الاسلحة البيولوجية بواسطة خزانات مثبتة أسفل الطائرات شرط أن تحلق هذه الأخيرة على علو منخفض قبل إطلاق الأسلحة من داخل الخزانات (أي رشها كما ترش مبيدات الحشرات), أو بواسطة خزانات و مضخات مثبته على سيارات مدنية أو اليات عسكرية أو حتى قوارب بحرية. كما يمكن إطلاقها بواسطة القذائف المدفعية و الصواريخ شرط أن تكون المتفجرات داخل الأخيرة قليلة جدا كيلا يؤثر الإنفجار و الحرارة الناتجة عنه على حياة الفيروسات و البكتيريا فيتسبب بقتلها و تصبح دون جدوى. 

يكون شكل السلاح البيولوجي إما رذاذ سائل أو على شكل بودرة و يمكن رؤيته بالعين المجردة على شكل غيمة بعد إطلاقه مع الأخذ بعين الإعتبار إتجاه الريح و سرعتها قبل تنفيذ أي هجوم. 

تنتقل العدوى إلى الكائنات الحية كالإنسان, الحيوان و النبات بواسطة التنشق, الإمتصاص, الحقن أو الهضم و لا تظهر عوارضه مباشرة. فهو بحاجة لما يسمى بال (Incubation period) و هي الفترة التي تتطلبها الفيروسات و البكتيريا كي تتكاثر داخل الخلايا الحية و هذه الفترة تتراوح أحيانا بين عدة أيام إلى أسبوع و أحيانا أكثر حسب نوع المرض, و هي عكس الأسلحة الكيميائية التي تظهر عوارضها مباشرة على الإنسان بعد التعرض لها (حسب نوعها و الجرعة طبعا). 

أما كيفية الوقاية و الحماية من هذه الأسلحة هي مشابهة لكيفية الوقاية من الأسلحة الكيميائية. فاستعمال الألبسة و الأقنعة الواقية التي تعزل الإنسان عن محيطه هي الوسيلة الأنسب لعدم انتقال العدوى إليه. 

أما التخلص من أثار الأسلحة البيولوجية يتم بواسطة مطهرات و معقمات خاصة تستطيع القضاء على جميع البكتيريا و الفيروسات أذكر منها:  

 المعتمدان  لدى بعض الجيوش الغربية.All clear foam و  DF-200  

أثار هذا النوع من الأسلحة اهتمام بعض المنظمات الإرهابية مثل (R.I.S.E) في الولايات المتحدة و هي مؤلفة من مراهقين ذوي أفكار متطرفة تؤمن بنهاية العالم و استطاعت الحصول على بعض الفيروسات و الجراثيم لكن سرعان ما تم توقيف أعضائها من قبل السلطات سنة 1972. و في العام 1984 نجحت منظمة ال (Rajneeshees) من دس “السالمونيلا”  داخل إحدى السلطات التي تم تحضيرها قبيل إحدى الإنتخابات المحلية في ولاية أوريغون الأميركية بغية تعطيل الإنتخاب ما أدى إلى دخول مئات الأشخاص إلى المستشفيات للعلاج. 

كما حاولت منظمة (Aum Shinrikyo) اليابانية سنة 1994 بمحاولة لنشر “الجمرة الخبيثة” أو ما يعرف بالإنتراكس في إحدى المدن اليابانية و لكنها فشلت بسبب نقص الخبرات اللازمة لدى أعضائها و من ثم تم اعتقالهم. لكن الهجوم الأخير بالإنتراكس وقع سنة 2001 في الولايات المتحدة مباشرة بعد هجمات الحادي عشر من أيلول حيث و صلت رسائل تحتوي على المادة المذكورة  إلى عدة مراكز حكومية و صحفية و أدت إلى مقتل عدة أشخاص و اتهم بروس إيفينز بالوقوف وراءها الذي و جد في ما بعد مقتولا في شقته. 

بالرغم من امتلاك هكذا أسلحة في فترة الحرب العالمية الثانية إلا أنها لم تستعمل من قبل المتحاربين إلا على نطاق ضيق جدا من خلال القيام بعمليات تخريبية موضعية و ذلك خوفا من انتشارها على نطاق واسع و ليس لأسباب أخلاقية أو بسبب وجود معاهدات دولية تحرمها. و كما سبق و ذكرت في السابق بأن للسلاح البيولوجي فترة تسمى بال(Incubation period) وهي كافية للتخفي داخل الجسم المصاب قبل ظهور عوارض المرض لذلك يخاف مستخدموها من إنتقال العدوى إلى أراضيهم من قبل بعض المصابين بالمرض دون علمهم و هكذا يكون العالم أمام وباء منتشر تتطلب السيطرة عليه بالإضافة إلى جهود جبارة طاقات و إمكانات هائلة. 

هناك ثلاث فرضيات لمناطق أو أهداف قد تكون عرضة لهكذا هجمات: 

1- مناطق واسعة نسبيا و تتراوح مساحتها ما بين ال100 و 1000 متر مربع و قد تحتوي على أهداف مهمة للأعداء- و الطريقة الأسهل لتنفيذ هكذا هجوم هي بواسطة الرش من خزانات و مضخات مع الأخذ بعين الإعتبار سرعة و اتجاه الريح. 

2- أهداف محددة و مقرات عامة للجيوش حسب أهميتها. 

3- أهداف ذو أهمية عالية كالمواد الغذائية و مياه الشرب التي تغذي المدن أو نشر السلاح البيو لوجي داخل أنظمة التهوئة التابعة للمقرات و المباني الكبيرة. هكذا هجمات من المحتمل أن تقوم بها إما المنظمات الإرهابية أو أجهزة المخابرات العالمية.  

بقلم أدولف عيد (Master CBRN)

                                                             

شاهد أيضاً

‏واشنطن : ايران استخدمت خدعة سينمائية مضحكة في عرض صاروخها الجديد

نشرت وسائل إعلام مقربة من النظام_الإيراني فيديو قالت انه لتجربة الصاروخ الجديد “فاتح مبين” يصور …

أضف رد (التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها)

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات