2017/11/24
الرئيسية / الشرق الاوسط / هكـذا أُفرِغـت الضاحيـة مـن المسيحييـن

هكـذا أُفرِغـت الضاحيـة مـن المسيحييـن

إن من أوصل مسيحيي لبنان إلى ما هم عليه، هو رعونة بعض قياداتهم وأحزابهم أولاً، وممارسات نظام الاحتلال السوري وحلفائه وعملائه ثانياً منذ العام 1975، ومن أهم هؤلاء “حزب الله”.

بعد 38 عاماً على الحرب الأهلية اللبنانية، بات البلد مفرزاً طائفياً إلى حدّ بعيد، إثر عمليات التهجير الممنهج التي طالت طوائف بكاملها، وساهمت فيها جميع أطراف الحرب من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين وغيرهم. منطقة ساحل المتن الجنوبي هي إحدى أبرز المناطق التي غيّرت الحرب لونها الديمغرافي من منطقة ذات غالبية مسيحية إلى منطقة شيعية بامتياز، وتغيّر اسمها إلى الضاحية الجنوبية، وباتت “دويلة” أقوى من الدولة، لها اقتصادها وأمنها وسلاحها وثقافتها، هي “دولة حزب الله” بامتياز.

يذكُر م. مقداد، أحد سكان المنطقة المقيمين منذ الخمسينات في حارة حريك، أن التعايش بين أهالي ساحل المتن الجنوبي المسلمين والمسيحيين كان جيداً إلى أن بدأت بوادر الحرب تلوح في الأفق. ويتذكّر أن تهجير المسيحيين من الضاحية الجنوبية مرّ بمراحل عدّة منذ العام 1975، بعد حادثة بوسطة عين الرمانة وسيطرة الأحزاب الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية عليها، مروراً بمرحلة سيطرة حركة “أمل” من العام 1980 حتى العام 1988، وصولاً إلى سيطرة “حزب الله” في العام 1988 بعد معارك دامية مع “أمل” في خضم الصراع بين إيران وسوريا للهيمنة على قرار الطائفة الشيعية.

المرحلة الأولى: سوريا هجّرت مسيحيي الضاحية بين 1975 و1983
بعد ساعات عدّة على حادثة بوسطة عين الرمانة في نيسان 1975، والتي كانت الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية، يعود ع.علامة من أبناء حارة حريك أيضاً، بالذاكرة إلى قيام مجموعات من “منظمة الصاعقة” ومن “الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة” برئاسة أحمد جبريل التابعتين للنظام السوري والمموّلتين منه، وبعض اللبنانيين الذين يدورون في فلكهما، بالهجوم على محالٍ ومؤسسات يملكها أبناء الحارة المسيحيين، انطلاقاً من مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين المتاخم لبلدة حارة حريك ذات الغالبية المسيحية آنذاك، وأعمل المسلّحون في البلدة حرقاً ونهباً، ما دفع أصحاب هذه المحال وآخرين من المسيحيين إلى الهرب واللجوء إلى بلدة الحدت المسيحية المتاخمة، والتي تجمع عدداً كبيراً من عائلاتها صلة قربى بعائلات حارة حريك من آل شبير والخوري وتحومي وواكد والنقور وشويفاتي ودكاش وعون وغيرها، فيما نزح آخرون إلى مناطق أخرى.

ويقول م. حسين أحد المقاتلين الذين حملوا السلاح إلى جانب حركة “فتح”، إنّه مع تعدّد جولات المعارك التي شهدتها الحرب في بداياتها، أخذت مراكز ومكاتب المسلّحين الفلسطينيين من “فتح” و”الجبهة الديمقراطية” و”الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” و”الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة” و”الجبهة العربية”، التابعة للعراق، وحلفائهم من أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية كالحزب الشيوعي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي والتنظيم الناصري والمرابطون، تنتشر في الأحياء الداخلية لمنطقة الضاحية.

واتّهم حسين مسلّحي “الصاعقة” تحديداً وبعض التنظيمات الفلسطينية الأخرى الموالية لسوريا من فلسطينيين ولبنانيين و”شبّيحة” الأحياء من أبناء بعض العشائر، بممارسة أبشع أنواع الخطف والتهجير ومصادرة الأملاك وفرض الخوّات وارتكاب أنواع الاعتداءات والسرقات، ما دفع بمن تبقّى من مسيحيين في أحياء الشياح مثل حي كنيسة مار مخايل، وحي معوض، وحي ماضي، والصفير، وحي الأميركان، والمعلم، وعواد إدة، وفي بلدة المريجة والليلكي، إلى ترك بيوتهم وأملاكهم هرباً من ممارسات المسلّحين للنجاة بأرواحهم، وخصوصاً بعد تدمير مراكز حزبي “الكتائب” و”الأحرار” الذي ساهمت فيه جميع المنظمات الفلسطينية إلى جانب أحزاب “الشيوعي” و”القومي”، بحسب حسين، الذي يعترف بأنه جرى التعرّض للكنائس وتخريبها وسرقة ممتلكاتها ونبش مقابرها، ككنيسة مار يوسف في حارة حريك، وكنيستي مار مخايل والطيار في الشياح.

ويلفت عضو سابق في “الحزب الشيوعي” كان شاهداً على هذه الأحداث، إلى أنه لم تنفع محاولات حزبه والحزب “القومي”، اللذين كانا يتمتعان بنفوذ لا بأس به بين عائلات ساحل المتن الجنوبي الإسلامية والمسيحية، وخصوصاً في حارة حريك والمريجة، من الحؤول دون تكرار الاعتداءات على المسيحيين وتهجيرهم وتهديد حياتهم ومصادرة بيوتهم وأراضيهم وقتل البعض منهم، بل كان القرار بالتهجير الممنهج والفرز الطائفي المدعوم سورياً عبر تنظيمات فلسطينية ولبنانية، أقوى من محاولات منع الفرز الطائفي وحماية المسيحيين.

ويضيف الشيوعي السابق أن أفعالاً مماثلة كانت تجري على الضفّة الأخرى من بلدات ساحل المتن الجنوبي المسيحية التي وقعت تحت سيطرة ميليشيات الـ”كتائب” و”الأحرار” وأحزاب “الجبهة اللبنانية”، كعين الرمانة وفرن الشباك والحدث وبعبدا، من ملاحقات وتهجير جماعي للمسلمين المقيمين في هذه المناطق واحتلال بيوتهم وقتلهم على الهوية. وتكونت خطوط تماس بين شطري ساحل المتن الجنوبي الشرقي والغربي استمرت إلى أن حصل الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، وأزيلت مؤقتاً خطوط التماس بعد الانسحاب الإسرائيلي وتسلّم الجيش اللبناني الأمن، وقد عاد قسم كبير من المسيحيين إلى بيوتهم في حارة حريك والشياح والمريجة وصفير وحي ماضي. لكن الأمور ما لبثت أن عادت الامور إلى سابق عهدها بعد قرابة السنة في 27 آب 1983.

الضاحية الجنوبية

المرحلة الثانية: “أمل” و”حزب الله” يكملان المهمة … و”تفاهم” عون لم ينفع
انتهت المرحلة الأولى من الحرب الأهلية في الرابع من حزيران 1982 باجتياح إسرائيل لبنان وصولاً إلى بيروت، وفُتح الوضع في ساحل المتن الجنوبي (الضاحية الجنوبية لاحقاً) أمام مرحلة جديدة تغيّر فيها اللاعبون والأدوار، وحلتّ القوى الطائفية مثل حركة “أمل” و”حزب الله” مكان التنظيمات الفلسطينية وأحزاب الحركة الوطنية، وازداد الفرز الطائفي بعد حرب الجبل، وبعد دخول الجيش اللبناني إلى مناطق الضاحية الجنوبية وبيروت الغربية إثر الانسحاب الإسرائيلي.

ويتذكر ع. عيسى أحد سكان حارة حريك كيف أن عدداً كبيراً من أهالي الحارة المسيحيين عادوا بعد أيلول 1982 إلى بيوتهم، وأُعيد فتح مكاتب أحزاب “الكتائب” و”الأحرار” في هذه المنطقة، وراح أعضاؤها ومناصروها، بحسب عيسى، يستعرضون عضلاتهم ويستقوون على سكان المنطقة، ويظهرون بالسلاح على مرأى من الجيش والقوى الأمنية أمام بيت “الكتائب” وفي المنشية وأمام كنيسة مار يوسف، ويهددون كل من تعامل مع الفلسطينيين، ويتبرعون بتقديم لوائح “مطلوبين” للأجهزة الأمنية لاعتقالهم والانتقام منهم.

ويقول أحد المسؤولين السابقين لحركة “أمل” في بئر العبد إن هذه الممارسات تركت استياءً واسعاً عند الأهالي المسلمين الذين كانو رحبوا بداية بدخول الجيش اللبناني إلى الضاحية الجنوبية، وبدأت تتكون بيئة معادية للجيش وللمسيحيين، أخذت تتوسع باطراد بانتظار شرارة الانفجار.

جاءت الشرارة في 27 آب 1983، عندما اتُخذ قرار بإزالة مخالفات البناء في منطقة الرمل العالي في برج البراجنة، واستعادة أملاك المسيحيين فيها. وسرت معلومات عن نية الدولة إزالة أحياء بكاملها مقامة على أراضي الغير كحيّ السلم والرمل العالي وبيوت التنك في حرش القتيل في الغبيري وحرش تابت قرب مستديرة المطار، ما يعني تهجير عشرات الألوف من الفقراء النازحين من الجنوب والبقاع والمناطق الشرقية من بيروت.

وروى س. عواد الذي يقيم منذ عشرات السنين في منطقة الرمل العالي في محيط جامع “الرسول الأعظم” لموقع “NOW” كيف حصلت المواجهات الأولى بين الأهالي الغاضبين من قرار الدولة بإزالة بيوتهم، وبين قوى الأمن والجيش اللبناني التي كلفت بهدم المخالفات استخدم فيها السلاح وسقط جرحى.

أيقظت هذه المواجهات الوحش الطائفي النائم وتوسّعت إلى أحياء بئر العبد وصفير والشياح والمريجة وحي السلم، وتكوّنت داخل المنطقة وعلى تخومها وحدودها خطوط تماس مع مواقع الجيش اللبناني في الضاحية وفي المناطق الشرقية من ساحل المتن الجنوبي، وحوصرت الضاحية الجنوبية من قبل الجيش و”القوات اللبنانية” لعدّة شهور لم تنتهِ إلا بعد انتفاضة السادس من شباط 1984 وإنكفاء الجيش إلى المناطق الشرقية من ساحل المتن الجنوبي.

وتروي سعاد (مسيحية يسارية تقيم في حارة حريك منذ الخمسينات) لـ”NOW”  كيف أنه بعد انسحاب الجيش من الضاحية الجنوبية وسيطرة مسلّحي “أمل” و”حزب الله” على أحيائها، هرب القسم الكبير من المسيحيين من حارة حريك وحي ماضي وصفير والشياح خوفاً من انتقام ميليشيات “أمل” التي راحت تمارس شتى أنواع التهديد وسرقة البيوت والمتاجر والخطف على الهوية. وتشير إلى أنّهم لم يوفّروا حتى المسيحيين اليساريين الذين قاتلوا معهم ضد الجيش، فتعرّض متجرهم للسرقة والمصادرة وأخواها طوني وجوزف للخطف ولم يفرَج عنهما إلا بعد تدخل قيادة الحزب الشيوعي في المنطقة.

ويشرح أحد مسؤولي الحزب الشيوعي آنذاك م.ح. أن خطف المسيحيين طال كافة مناطق الضاحية، من الشياح مروراً بحارة حريك والمريجة، وخصوصاً على الحاجز الشهير لحركة “أمل” على تقاطع الحدث – الكفاءات الذي لوّع المواطنين وكان مصدراً لفرض الخوات والمطالبة بالفديات بعد عمليات الخطف. ويلفت إلى أن الخطف لم يوفّر حتى مطران بيروت وتوابعها للموارنة المرحوم الأب خليل أبي نادر، كما غيره من المسيحيين من أبناء المنطقة مثل ميشال واكد ( حارة حريك) الذي كان مسؤولاً بالحزب الشيوعي، وخُطف لأكثر من شهر ثم وُجد مقتولاً على مرفأ النورماندي في عين المريسة، وذلك لتخويف المسيحيين في المنطقة ومنعهم من العودة التي كان يحاول واكد أن يقوم بها.

كما يروي أ. زعرور من المريجة كيف هاجمت مجموعات “أمل” المنطقة بعد انسحاب الجيش منها في العام 1983، وعملت في بيوت المسيحيين حرقاً ونهباً، واعتقلت عدداً كبيراً منهم، بمن فيهم شيوعيون مسيحيون مثل أنطوان حنين وجورج يونان وميشال غصيبي وأحرقت معمل الأخير بعد نهبه.

واستمرت هذه الحال من الرعب من سنة 1983 حتى شباط 1988 عندما سيطر “حزب الله” على المنطقة بعد معارك دامية مع حركة أمل لم تتوقف إلا بعد تدخل الجيش السوري للفصل بين الطرفين.

ويروي أحد تجار البناء في الضاحية الجنوبية، أنّه بعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من الحرب على المسيحيين هدفها إزالة أي أثر لهم في المنطقة مادياً وجسدياً، وكانت أكبر عمليات الضغط الأمني والسياسي والمالي لشراء أراضي المسيحيين من قبل تّجار بناء معروفي الأسماء والإنتماء مدعومين من “حزب الله” ومنهم ع. داغر وأ. طباجة وع. أبو طعام وع. حطيط و ر.بركات وغيرهم، وانتشرت أوسع عملية بناء في الضاحية تخطّت خطوط التماس التقليدية إلى المناطق المسيحية وبتواطؤ أحياناً من “التيار الوطني الحر” الذي كان يناصب العداء لـ”حزب الله” في العلن ويتحالف معه في السر، وخصوصاً في انتخابات بلدية حارة حريك، حتى قبل العام 2006.

هذه الهجمة العمرانية “الشيعية” أثارت القلق والخوف في المناطق المتاخمة للضاحية الجنوبية وتدخلت فيها البطريركية المارونية كما حصل في الحدت، ما دفع عدة بلديات في هذه البلدات إلى اتخاذ قرار بعدم بيع أو تأجير أي عقار لأي مسلم، ما زال ساري المفعول حتى تاريخه.

بتصرف – المصدر : محمـد حمـدان – موقع NOW

شاهد أيضاً

الكاتب فريدمان: ربيع السعودية يغيّر نظرة العالم وأحمق من لا يساند محمد بن سلمان

رأى الكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان، الذي حاور الأمير محمد بن سلمان، أنَّ “أهم عملية …

أضف رد (التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها)

%d مدونون معجبون بهذه: